فكأنّه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد . لأنّ مخالفة أمر اللّه تعالى حالة عظيمة يتعجّب منها ويُسأل عن الداعي إليها . « 1 »
وقال الحجّة البلاغي : هناك فرق بين الاستفهامين في سورتي « ص » و « الأعراف » .
فالاستفهام في سورة « ص » - استنكارا أو توبيخا - إنّما وقع عن المانع عن السجود أوّلًا ، بقوله
« ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ »
. . . ثمّ عن الحامل له على المعصية ، بقوله :
« أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ »
. . . فأجاب إبليس - معتذرا - بكونه أعلا مرتبة :
« قالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ »
« 2 » .
وهذا الذي صُرّح به في سورة « ص » - أي السؤال عن السبب الحامل على العصيان الذي كان هوالاستكبار والاستعلاء - جاء مطويّا به في سوة الأعراف ، بدخول حرف « لا » . أي ما حملك على المعصية بترك السجود .
« قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ »
« 3 » . أي ما منعك من السجود وما حملك على العصيان . « 4 »
لكن الذي يبدوا من ظاهر الآية ، بملاحظة نظائرها في التعبير : أنّ « انْ » هنا - في سورة الأعراف - مفسّرة ، بخلافها في سورة « ص » وهي مصدريّة .
ففي سورة « ص » وقع الاستفهام بشكله العادي ، سؤالًا استنكاريا عن الامتناع من السجود
« ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ »
أي ما منعك من السجود .
أمّا في سورة الأعراف فهناك تفكيك بين الجملتين ، أوّلًا : السؤال عن تمرّده محضا
« ما مَنَعَكَ . . . »
بعد قوله :
« فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ، لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ » .
ومن ثمّ جاءه العتاب :
« ما مَنَعَكَ . . . » .
ثمّ فسّر هذا التمرّد والامتناع بأنّه لم يسجد .
فكان معنى الكلام : « ما منعك من الامتثال ، بأن لا تسجد . . . » . فكان مجرّد عدم
هامش
( 1 ) - . التفسير الكبير ، ج 14 ، ص 31 - 32 .
( 2 ) - . ص 75 : 38 - 76 .
( 3 ) - . الأعراف 12 : 7 .
( 4 ) - . راجع : مقدمة تفسيره آلاء الرحمان ، ص 39 . بتصرّف .