المسلمون - لا يقدرون على استجلاب فضله تعالى ورحمته . وإذا لم يعلموا ذلك ، فلا بدّ أنّهم حينذاك يعرفون مقدرة المسلمين على كسب الفضائل . إذ الذي لا يعلم العدم ، فلابدّ أنّه يعلم بالوجود . إثباتا للضدّ بنفي ضدّه . « 1 »
وهكذا فسّرها شيخنا العلامة البلاغي قال : ولكنّ الصواب قد أخذ بيد جماعة ففهموا من الآيات أنّ « لا » غير زائدة ، وأنّ الضمير في « يقدرون » يعود على المؤمنين المخاطبين في الآية المتقدّمة ، على نحو الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ويكون قوله تعالى :
« وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ »
معطوفا على المجرور بلام التعليل في « لئلّا » . أي يتفضّل على المؤمنين حقّ الإيمان بالهدى والثروة والشوكة ، لكي لا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدر المؤمنون على شَيء من ذلك ، ولأنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . « 2 »
وهنا معنى أدقّ ولعلّه أوفق بظاهر الآية :
وهو : أنّ الآية بصدد الردّ على مزعومة الجبر وسلب الاختيار ، والّتي كان عليها اليهود والشائع بين الأمم الجاهلة حينذاك . حسبوا من الإنسان رهن تقدير الأزل وقد جفّ القلم بما هو كائن . فمن قدّرت له السعادة فهو سعيد ، ومن قدّر له الشقاء فهو شقي ، ليس بمقدوره شَيء .
قال تعالى - احتجاجا على اليهود والنصارى ولبيان حالتهم التعنّتيّة - :
« وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ »
« 3 » : أي لا موضع فيها لمسارب الهدى . ومن ثمّ ردّ عليهم :
« بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ »
« 4 » .
وقال :
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَوْلِهِمْ : قُلُوبُنا غُلْفٌ . بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا »
« 5 » .
وقال - عن المشركين المعاندين - :
« كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .
هامش
( 1 ) - . التفسير الكبير ، ج 29 ، ص 247 - 248 .
( 2 ) - . راجع : الهدى إلى دين المصطفى للبلاغي ، ج 1 ، ص 377 ؛ ومقدّمة تفسيره آلاء الرحمان ص 38 . بتصرّف .
( 3 ) - . البقرة 88 : 2 .
( 4 ) - . الآية .
( 5 ) - . النساء 155 : 4 .