تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
« لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ »
أي لم يقض مع تطاول عهده بالتكليف . يعني أنّ إنسانا لم يَخْلُ من تقصير قطّ . ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك ، لأنّك كنت ذهبت بجزءٍ من معناه ، ولأخللت باسٍّ من أسس المقصود . فللّه درّه من كلام وجيز بليغ . قال ابن الأثير : والإيجاز هو أن لا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه . « 1 » والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة كقوله تعالى :
« فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ » .
« 2 » ما أجمل هذا الكلام وأكمله وأوفاه ، في حين وجازته البالغة . فقوله :
« فَلَهُ ما سَلَفَ »
من جوامع الكلم ، ومعناه : أنّ خطاياه الماضية قد غُفرت له ، وتاب اللّه عليه فيها . إلّا أنّ قوله :
« فَلَهُ ما سَلَفَ »
أبلغ . . . أي أنّ السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنّما هو له أي موهوب له . وكذلك ورد قوله : « من
كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ » .
« 3 » فقوله :
« فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ »
كلمة جامعة ، تغني عن ذكر ضروب من العذاب ، لأنّ من أحاط به كفره فقد أحاطت به كلّ خطيئته . وعلى نحوٍ من هذا جاء قوله :
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » .
« 4 » فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم ، الباهرة البالغة أعلى درجات الإعجاز ، المثيرة للإعجاب ! روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله قرأها على الوليد بن‌المغيرة ، فقال له : يا ابن أخي أعده . فأعاد النبي صلى الله عليه وآله قراءتها عليه . فقال له : إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإن
هامش
( 1 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 348 . ( 2 ) - البقرة 275 : 2 . ( 3 ) - فاطر 39 : 35 . ( 4 ) - النحل 90 : 16 .