أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر . « 1 »
ومن هذا النحو قوله تعالى :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » .
« 2 »
هذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة - التي دلّت عل تخويفٍ وإرهاب - ترقّ له القلوب وتقشعرّ منه الجلود . وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس . وتصوير ذلك اليوم الرهيب والأمر الفظيع ، في أسهل لفظ وأرقّ تعبير . وما مرّ عليه إنسان مكابد خطاياه إلّا تيقّظ عنده تيقّظا .
* * * ومن هذا الضرب ورد عن النبي صلى الله عليه وآله فيدعائه لأبيسلمة « 3 » عند موته : اللهمّ ارفع درجته في المهتدين ، واخلفه في عقبه في الغابرين ، لنا وله ياربّ العالمين .
وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها . فأوّله مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال ، وهو رفع درجته في الآخرة . وثانيه مردف بالمهمّ الذي يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا . وثالثه مختم بالجمع بين الداعي والمدعوّ له .
قال ابن الأثير : وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ماتُقصَد له . « 4 »
* * * ومن الإيجاز بالقصر ما لا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدّتها ، لابل يستحيل ذلك عادة ، وهو أعلى طبقات الإيجاز وأشرفها وأعزّها شأنا ، ولا يوجد مثله في كلام
هامش
( 1 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 335 .
( 2 ) - ق 16 : 50 - 23 .
( 3 ) - هو زوج أم سلمة رضياللّه عنها واسمه عبداللّه ، وامّه برّة بنت عبد المطلب . وكان ممّن هاجر الهجرتين . وجرح يوم أُحد ، فمات منه سنة ثلاث من الهجرة .
( 4 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 337 .