تعالى :
« يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا » .
« 1 »
ومنها غير ذلك حسبما فصّله علماء البيان ، فراجع . « 2 »
إيجاز قصر
وهو ما لاحذف فيه ولا تقدير ، سوى أنّه من قليل اللفظ كثير المعنى ، ويكون نضد الكلمات بحيث لا يوجد بينها لفظ زائد ، حتى لو أزيل لفظ من موضعه أو رفعت كلمة أو أبدلت إلى غيرها لاختلّ المعنى وأفاد غير المقصود ، وهذا من البلاغة بمكان ، وقد يبلغ حدّ الإعجاز كما في القرآن .
فممّا جاء منه قوله تعالى :
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ » .
« 3 »
فقوله :
« قُتِلَ الْإِنْسانُ . . . »
دعاءٌ عليه . وقوله :
« ما أَكْفَرَهُ . . . »
تعجّب من إفراطه في كفران نعم اللّه عليه .
قال ابن الأثير : ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجّب ، ولا أخشن مسّا ، ولا أدلّ على سخط ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للأئمّة ، على قصر متنه .
ثمّ إنّه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى أجله ومآل أمره ، فقال :
« مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » .
ثمّ بيّن الشيء الذي خلق منه :
« مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ »
أي هيّأه لما يصلح له .
« ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ »
أي سهّل سبيله ، وهو مخرجه من بطن امِّه . أو السبيل الذي يختار سلوكه في الحياة من خير أو شرّ .
« ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ »
أي جعله ذا قبر يواري فيه .
« ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ »
أي أحياه ليوم النشور .
« كَلَّا »
ردع لهذا الإنسان الكفور ، العاتي ، العاصي لأمر ربّه الكريم .
هامش
( 1 ) - يوسف 29 : 12 .
( 2 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 305 - 308 .
( 3 ) - عبس 17 : 80 - 23 .