وهذا من أحسن الحذف وأجمله ، وهو في القرآن كثير جدّا . قال ابن جنّي : في القرآن منه زهاء ألف موضع ، وقد سردها الشيخ عزّالدين في كتابه « المجاز » على ترتيب السور والآيات . « 1 »
منه قوله تعالى :
« الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ »
« 2 » لأنّ تعلّق الفعل بالزمان هو تعلّق المظروف بالظرف ، لولا أنّ في الآية حمل أحدهما على الآخر حمل اتحاد . وهو من لطيف البيان وظريفه ، فلو قدّرت : وقت الحجّ أشهر ، أو فعل الحجّ في أشهر ، لذهبت برونق الكلام وجماله .
ومنه تعلّق الأحكام التكليفية الشرعية بنفس الذوات ، فإنّه لابدّ من تقدير فعل مناسب . وذلك في مثل قوله تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ » .
« 3 » وقوله :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ » .
« 4 » وقوله :
« أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها » .
« 5 »
فإنّ في هكذا تعابير لا يبدو عليها أثر التقدير ، وليس مثل قوله :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها »
« 6 » البادي عليها أثر التقدير وكانت من مجاز الحذف لا محالة . على خلاف ما مثّلنا به من آيات التحريم ، إذ ليس فيها مجاز الحذف أصلًا .
ومنه أيضا قوله :
« وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » .
« 7 » فلو أردنا التقدير لكان : ولكن ذا البرّ من آمن . . . أو برّ من آمن . لكنّه ليس كذلك ، وإنّما الجملة بكاملتها تفسير وتوضيح لعمل البرّ بأنّ من يؤمن باللّه . . . الخ ، فهذا هو البرّ والعمل الصالح .
وقوله :
« لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ »
« 8 » أي من قبل الغلب ومن بعده ، من غير أن يكون التقدير ظاهرا وإن كان مرادا واقعا .
ومن هذا القبيل جميع الموارد التي قيل فيها بحذف المبتدأ أو الخبر أو الصفة أو الموصوف ، وحتى المعطوف أو المعطوف عليه ، أو حذف جملة الشرط أو جملة الجزاء . أو
هامش
( 1 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 323 .
( 2 ) - البقرة 197 : 2 .
( 3 ) - المائدة 3 : 5 .
( 4 ) - النساء 23 : 4 .
( 5 ) - الأنعام 138 : 6 .
( 6 ) - يوسف 82 : 12 .
( 7 ) - البقرة 177 : 2 .
( 8 ) - الروم 4 : 30 .