فمن ذلك قوله صلى الله عليه وآله : حلالٌ بيّن ، وحرامٌ بيّن ، وبينهما شبهات . « 1 »
وهذا من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة . وذلك أنّه يشتمل على جلّ الأحكام الشرعية ، فإنّ الحلال والحرام إمّا أن يكون الحكم فيهما بيّنا لاخلاف فيه بين العلماء ، وإمّا أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات ، فكلّ منهم يذهب فيه مذهبا .
وكذلك جاء قوله صلى الله عليه وآله : الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى « 2 » هو من جوامع الكلم ومن غرر الكلام .
قال ابن الأثير : وممّا أطربني من ذلك حديث الحديبية ، وهو أنّه جاء بديل بنورقاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : إنّي تركت كعب بن لؤي ، معهم العوذ المطافيل « 3 » وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت .
فقال له النبي صلى الله عليه وآله : إنّ قريشا قد نهكتهم الحرب ، فإن شاؤوا ماددناهم مدّة ، ويدعوا بيني وبين الناس ، فإن أَظهَرْ عليهم وأحبّوا أن يدخلوا فيما دخل الناس ، وإلّا كانوا قد جمّوا ، وإن أبوا ، فوالذي نفسي بيده لُاقاتلَنّهم على أمري هذا ، حتى تنفرد سالفتي هذه ، ولينفذنّ اللّه أمره .
هذا الحديث من جوامع الكلم وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصفين . « 4 »
وذكر الشريف الرضي في نهجالبلاغة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كلامه التالي :
الحَجَر الغصيب في الدار رهنٌ على خرابها . « 5 »
ثمّ قال : ويروى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وآله ، ولا عجب أن يشتبه الكلامان لأنّ مستقاهما من قليب ومفرغهما من ذَنوب .
فلنذكر من جلائل كلامه عليه السلام نتفا :
هامش
( 1 ) - عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 89 .
( 2 ) - المصدر ، ص 81 و 380 .
( 3 ) - العوذ : الحديثات النتاج من الظباء وكلّ أنثى . والمطافيل : جمع مُطفل بمعنى من يصحب معه طفله .
( 4 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 341 - 342 .
( 5 ) - الكلمة رقم 240 ، ص 510 .