البلغاء إلّا شاذّا نادرا . قال ابن الأثير : والقرآن الكريم ملآن منه . « 1 »
قال تعالى :
« خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » .
« 2 » فقد جمعت الآية جميع مكارم الأخلاق والقصد في السلوك الذي هو الصراط المستقيم في الحياة .
وهذا شأن جلّ آيات الذكر الحكيم ، وإن كان قد يرتقى شأن البلاغة في بعضها أوجها فوق أطباق السماء ، وقد يتنزّل بعضها إلى آفاق قريبة من متفاهم الأعراف ،
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » .
« 3 »
« إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ »
. « 4 » ومن ثمّ قال رسولاللّه صلى الله عليه وآله : مَن شاء يرتع رياض الأنائق فعليه بآل حم .
ومنه قوله تعالى :
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » .
« 5 » إذ لا يمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة - على ما عرفت في كلام مسبق - .
قال ابن الأثير : ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب : « القتل أنفى للقتل » . فإنّ من لا يعلم يظنّ أنّ هذا على وزن الآية ، وليس كذلك . بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه :
الأوّل : أنّ
« الْقِصاصِ حَياةٌ »
لفظتان . و « القتل أنفى للقتل » ثلاثة ألفاظ .
الثاني : أنّ في قولهم تكريرا ، ليس في الآية .
الثالث : أنّه ليس كلّ قتل نافيا للقتل ، إلّا إذا كان على حكم القَصاص .
وقد صاغ أبو تمام هذا المعنى الوارد عن العرب في بعض بيت من شعره :
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم * إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم
فإنّ قوله : « إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم » أحسن ممّا ورد عن العرب . « 6 » والدم المعترّ :
النفس المهدّدة المضطربة تخاف هدرها .
* * * وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب ( من الإيجاز البليغ ) شيء كثير . وإليك نماذج منه :
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 333 و 348 و 352 .
( 2 ) - الأعراف 199 : 7 .
( 3 ) - الإسراء 106 : 17 .
( 4 ) - الزخرف 3 : 43 .
( 5 ) - البقرة 179 : 2 .
( 6 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 352 - 353 .