القرآن معجزا ، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة الواردة عليها والانفصال عنها . . .
ثمّ جعل يورد أسئلة ثمانية للملاحدة حاولوا فيها إخفاء وجه الإعجاز في القرآن .
وأجاب عن كلّ واحدة منها إجابة وافية على أسلوب منهجي رتيب ، أبدى خلالها جوانب لامعة من إعجاز القرآن ، قد أجّلناها إلى بحث الدلائل على الإعجاز ، فانتظر .
المسلك الثاني : في الدلالة على أنّ القرآن معجز من جهة العادة وتقريرُه أنّ الإتيان بمثل كلّ واحدة من سور القرآن ، لا يخْلُو حالُه إمّا أن يكون معتادا ، أو غير معتاد ، فإنْ كان معتادا كان سكوتُ العرب مع فصاحتهم وشدّة عداوتهم للرسول صلى الله عليه وآله ومع توفّر دواعيهم على إبطال أمره ، والقدْح في دعواه بمبلَغ جَهْدهم وجدّهم ، يكون لا محالةَ من أَبْهَرِ المعجزات ، وأظهر البيّنات على عجزهم عن الإتيان بمثل سورة منه .
وأمّا إن لم يكن معتادا ، كان القرآن مُعْجزا ، لخروجه عن المألوف والمعتاد ، فثبت بما ذكرناه أنّ القرآن سواء كان خارقا للعادة أو لم يكن خارقا ، فإنّه يكون مُعْجزا ، وهذه نكتة شريفةٌ حاسِمةٌ لأكثر أسئلة المنكرين التي يوردونها على كونه خارقا للعادة كما ترى .
الفصل الثالث : في بيان الوجه في إعجاز القرآن
اعلم أنّ الكلام في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا دقيقٌ ، ومن ثمّ كثرت فيه الأقاويلُ واضطربت فيه المذاهب ، وتفرّقوا على أنحاءٍ كثيرة ، فنلذكّر ضبط المذاهب ، ثمّ نُرْدفه بذكر ما تحتمله من الفساد ، ثمّ نذكر على أثَرِهِ المختارَ منها ، فهذه مباحث ثلاثة :
المبحث الأوّل : في الإشارة إلى ضبط المذاهب في وجه الإعجاز فنقول : كون القرآن معجزا ليس يخلو الحال فيه إمّا أن يكون لكونه فعلًا من المعتاد ، أو لكونه فعلًا لغير المعتاد ، فالأوّل هو القول بالصِّرفَةِ ، ومعنى ذلك أنّ اللّه تعالى صَرَف دواعيهم عن معارضة القرآن مع كونهم قادرين عليها ، فالإعجازُ في الحقيقة إنّما هو بالصّرفة على قول هؤلاء ، كما سنحقّق خلافهم في الردّ عليهم بمعونة اللّه تعالى ، ونذكر من قال بهذه المقالة ، وإن كان الوجه في إعجازه هو الفعل لغير المعتاد ، فهو قسمان :
القسم الأوّل : أن يكون لأمر عائد إلى ألفاظه من غير دلالتها على المعاني ، ثمّ هذا
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 90
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٩٠