يكون على وجهين :
أحدهما : أن يكون مشترطا فيهم اجتماع الكلمات وتأليفها ، وهذا هو قول من قال :
الوجهُ في إعجازه هو اختصاصه بالأُسلوب المفارق لسائر الأساليب الشعرية والخَطابيّة ، وغيرهما ، فإنّه مختصّ بالفواصل والأسجاع ، فمن أجل هذا جعلنا هذا الوجه مختصّا بتأليف الكلمات .
وثانيهما : أن يكون إعجازُه لأمر راجع إلى مفردات الكلمات دون مؤلّفاتها ، وهذا هو رأيُ من قال : إنّه إنّما صار معجزا من أجل الفصاحة ، وفسّر الفصاحة بالبراءة عن الثقل والسّلامة عن التعقيد ، واختصاصه بالسلاسة في ألفاظه .
القسم الثاني : أن يكون إعجازُه إنّما كان لأجل الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني ، وهذا هو قول من قال : إنّ القرآن إنّما كان معجزا لأجل تضمّنه من الدلالة على المعنى ، وهذا القسم يمكن تنزيلُه على أوجه ثلاثة :
الوجه الأوّل : أن تكون تلك الدلالةُ على جهة المُطابَقةِ وفيه مذاهبُ ثلاثة :
أوّلها : أن يكون لأمر حاصل في كلّ ألفاظه ، وهذا هو قولُ من قال : إنّ وجه إعْجازه ، هو سلامتهُ عن المناقضة في جميع ما تضمّنه .
وثانيها : أن يكون لأمر حاصلٍ في كلّ ألفاظه وأبعاضها ، وهذا هو قول من قال : إنّ إعجازَه إنّما كان لما فيه من بيان الحقائق والأسرار ، والدقائق ممّا يكون العقلُ مشتغلًا بدَرْكها ، فإنّ العلماءَ مِنْ لُدُنْ عَصْرِ الصحابة ( رضياللّه عنهم ) إلى يومنا هذا ما زالوا يستَنْهِضُون منه كلّ سرٍّ عجيب ، ويستنبطون من ألفاظه كلّ معنى لطيف غريب ، فهذا هو الوجه في إعجازه على رأي هؤلاء .
وثالثها : أن يكون وجه إعجازه لأمرٍ حاصلٍ في مجموع ألفاظه وأبعاضها ، ممّا لايستقلّ بدركه العقل ، وهذا هو قول من قال : إنّ الوجه في إعجازه ما تضمّنه من الأُمور الغيبيّة ، واللطائف الإلهيّة ، التي لا يختصّ بها سوى علّامِها ، فهذه هي أقسامُ دلالة المطابقة ، تكون على هذه الأوجه الثلاثة التي رمزنا إليها .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 91
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٩١