( نقلنا براهينه الثلاثة ضمن دلائل العلماء على دحض شبهة الصرفة ) .
المذهب الثاني : قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه إنّما هو الأُسلوب ، وتقريره أنّ أسلوبه مخالف لسائر الأساليب الواقعة في الكلام ، كأسلوب الشعر ، وأسلوب الخُطَب والرسائل ، فلمّا اختصّ بأسلوب مخالف لهذه الأساليب ، كان الوجه في إعجازه . وهذا فاسدٌ لأوجه :
أوّلها : أنّا نقول : ما تريدون بالأُسلوب الذي يكون وجها في الإعجاز ، فإن عَنيْتُم به أسلوبا أيَّ أسلوب كان ، فهو باطلٌ ، فإنَّه لو كان مطلقُ الأُسلوب معجزا ، لكان أسلوب الشعر معجزا ، وهكذا أسلوب الخطب والرسائل ، يلزمُ كونه معجزا ، وإنْ عَنيْتُم اسلُوبا خاصّا ، وهو ما اختصّ به من البلاغة والفصاحة ، فليس إعجازُه من جهة الأُسلوب ، وإنّما وجهُ إعجازه الفصاحة والبلاغة كما سنوضّحه من بعد هذا عند ذكر المختار ، وإنْ عنَيْتم بالأُسلوب أمرا آخرَ غير ما ذكرناه فمِنْ حقِّكم إبرازُه حتّى ننظُر فيه فنُظهر صحّته أو فساده .
وثانيها : أنّ الأُسلوب لا يمنعُ من الإتيان بأسلوب مثله ، فلو كان الأمرُ كما زعمتموه ، جازت معارضةُ القرآن بمثله ، لأنَّ الإتيان بأسلوب يماثله سهلٌ ويسيرٌ على كلّ أحد .
وثالثها : أنّه لو كان الإعجاز إنّما كان من جهة الأُسلوب لكان ما يحكى عن « مُسَيلمَة » الكذّاب معجزا وهو قوله : إنّا أعطيناك الْجَواهر ، فصلِّ لربِّك وجاهر ، وقوله :
والطّاحِنات طَحْنا ، والخابِزاتِ خبزا ، لأنّ ما هذا حالُه مختصّ بأسلوب لا محالة ، فكان يكون معجزا ، وأنّه محالٌ .
ومن وجهٍ رابعٍ وهو أنّه لو كان وجهُ إعجازه الأُسلوب ، لما وقع التفاوت بين قوله تعالى ،
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ »
« 1 » وبين قول الفصحاء من العرب « القَتْلُ أنفى للقتل » لأنّهما مستويان في الأُسلوب ، فلمّا وقع التفاوت بينهما دلّ على بطلان هذه المقالة واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) - البقرة 179 : 2 .