المعنويّة ، واللطائف البيانيّة من البديع وغيره ، إنّما كانت وُصْلَةً وَذَريعَةً إلى بيان السِّرِّ واللباب ، والغرض المقصودُ عند ذوي الألباب ، إنّما هو بيان لطائف الإعجاز ، وإدراكُ دقائقه ، واستنهاضُ عجائبه ، فكيف ساغَ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها ، وذكروا في آخر مصنّفاتهم ما هو بمعزل عنها ، كذكر مخارج الحُروف وغيرها ممّا ليس مُهِمّا ، وإنّما المُهِمّ ما ذكرناه ، ثمّ لو عَذَرْنا مَن كان منهم ليس له حظّ في المباحث الكلاميّة ، ولا كانت له قدَمٌ راسخة في العلوم الإلهية ، وهم الأكثرُ منهم كالسّكاكي ، وابن الأثير ، وصاحب التبيان ، وغيرهم ممّن برَّز في علوم البيان ، وصَبَغ بها يَدَه ، وبلغ فيها جَدَّه وجَهْده ، فما بال مَن كان له فيها اليد الطولى ، كابن الخطيب الرازي فإنّه أعرض عن ذلك في كتابه المصنّف في علم البيان فإنّه لم يتعرّض لهذه المباحث ، ولا شمّ منها رائحة ، ولكنّه ذكر في صدر كتاب النهاية كلاما قليلًا في وجه الإعجاز لايَنقعُ من غُلّة ، ولا ينفع من علّة ، فإذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الذي يدلّ على إعجاز القرآن مسلكان :
المسلك الأوّل منهما : من جهة التحدّي ، وتقريرُه هو أنّه عليه السلام تحدّى به العرب الذين هُم النهاية في الفصاحة والبلاغة ، والغايةُ في الطلاقة والذّلاقَة ، وهم قد عجزوا عن معارضته ، وكلّما كان الأمر فيه كما ذكرناه فهو مُعْجِزٌ ، وإنّما قلنا : إنّه عليه السلام تَحَدّاهمْ بالقرآن لما تَواتَرَ من النقل بذلك في القرآن ، وقد نزَّلهم اللّه في التّحدّي على ثلاث مراتب :
الأُولى : بالقرآن كلّه ، فقال تعالى :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » .
« 1 »
الثانية : بعشْر سُوَرٍ منه كما قال تعالى :
« أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ » .
« 2 »
الثالثة : بُسورةٍ واحدةٍ كما قال تعالى :
« فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
ثمّ قال بعد ذلك
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا »
« 3 » فنفى القدرة لهم على ذلك بقضية
هامش
( 1 ) - الإسراء 88 : 17 .
( 2 ) - هود 13 : 11 .
( 3 ) - البقرة 23 : 2 - 24 .