تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
عامّة ، وأمرٍ حَتْمٍ لا تردُّدَ فيه . فدلّت هذه الآيات على التحدّي ، مرّةً بالقرآن كلّه ، ومرّةً بعشر سُوَر ، ومرّة بسورة واحدة ، وهذا هو النهاية في بلوغ التحدّي ، وهذا كقول الرجل لغيره : هاتِ قوما مثل قومي ، هاتِ كنِصفهم ، هاتِ كَرُبْعهم ، هَاتِ كواحدٍ منهم . وإنّما قلنا : إنّهم عجزوا عن معارضته لأنّ دواعيهم متوفّرةٌ على الإتيان بها ، لأنّه عليه السلام كلّف العرب تَرْكَ أديانهم ، وحَطّ رئاستهم ، وأوْجَب عليهم ما يُتْعِبُ أبدانهم ، ويَنْقُصُ أموالَهم ، وطالبَهُم بعداوة أصدقائهم ، وصَداقَةِ أعدائهم ، وخلع الأنداد والأصنام من بين أظهرهم ، وكانت أحبَّ إليهم من أنفسهم ، من أجل الدين ، ولا شك أنَّ كلّ واحدٍ من هذه الأُمور ممّا يَشُقُّ على القلوب تحمّلهُ ولا سيّما على العرب مع كثرة حميّتِهِم وعظيم أنفَتِهِمْ ، ولا شكّ أنّ الإنسان إذا استنْزَلَ غيره عن رئاسته ودعاه إلى طاعته ، فإنّ ذلك الغير يُحاولُ إبطال أمره بكلّ ما يَقْدر عليه ويجدُ إليه سبيلا . ولمّا كانت معارضة القرآن بتقدير وقوعها مُبْطلةً لأمر الرسول صلى الله عليه وآله علمنا لا محالة قطعا توفّرَ دواعي العرب عليها ، وإنّما قلنا : إنّه ما كان لهم مانعٌ عنها لأنّه صلى الله عليه وآله ما كان في أوّل أمره بحيث تَخاف قهره كلُّ العرب ، بل هو الذي كان خائفا منهم ، وإنّما قلنا : إنّهم لم يُعارضوه لأنّهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارُها أحقّ من اشتهار القرآن لأنّ القرآن حينئذ يصير كالشبهة وتلك المعارضة كالحجّة ، لأنّها هي المبطلة لأمره ، ومتى كان الأمر كما قلناه وكانت الدواعي متوفّرةً على إبطال ابَّهَةَ المدّعى وإبطال رونقه ، وإزالة بهائه ، كان اشتهارُ المعارضة أولى من اشتهار الأصل ، فلمّا لم تكن مشتهرة علمْنا لا محالَةَ بُطلانها ، وأنّها ما كانت ، وإنّما قلنا : إنّ كلّ من توفّرتْ دواعيه إلى الشيء ولم يُوجَدْ مانع منه ، ثمّ لم يتمكّن من فعله ، فإنّه يكون عاجزا ، لأنّه لا معنى للعجز إلّا ذاك ، وبهذا الطريق نَعْرِف عجْزَنا عن كلّ مانعْجزُ عنه كخلق الصور والصفات ، ويؤيّد ما ذكرناه من عجزهم ويوضّحه ، أنّهم عدلوا عن المعارضة إلى تعريض النفس للقتل ، مع أنّ المعارَضةَ عليهم كانت أسهل وما ذاك إلّا لمّا أحسُّوا به من العجز من أنفسهم عنها ، فثبت بما ذكرناه كونُ
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 89 | الشيخ محمد هادي معرفة