تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الوجه الثاني : أن تكون تلك الدلالة على جهة الالتزام ، وهذا مذهبُ من يقول : إنّ القرآن إنّما كان معجزا لبلاغته ، وفسّر البلاغة باشتمال الكلام على وجوه الاستعارة ، والتشبيه المضمر الأداة ، والفصل ، والوَصْل ، والتقديم ، والتأخير ، والحذف ، والإضْمار ، والإطناب ، والإيجاز ، وغير ذلك من فنون البلاغة . الوجه الثالث : أن تكون تلك الدلالةُ من جهة تضمّنه لما يتضمّنه من الأسرار المُودَعة تحت ألفاظه التي لا تزال على وجهِ الدّهر غضَّةً طَرِيَّة يجتليها كلُّ ناظر ويعلُو ذِروتها كلّ خرِّيتٍ ماهِر ، فظهر بما لخّصناه من الحصر أنّ كون القرآن معجزا ، إمّا أن يكون للصّرْفة ، أو للنظم ، أو لسلامة ألفاظه من التعقيد ، أو لخُلُوّه عن التناقض ، أو لأجْل اشتماله على المعاني الدقيقة ، أو لاشتماله على الإخبار بالعلوم الغيبية ، أو لأجل الفصاحة والبلاغة ، أو لما يتركّب من بعض هذه الوجوه أو من كلّها ، كما فصّلناه من قبل ، ونحنُ الآن نذكر كلّ واحد من هذه الأقسام كلّها ، ونبطله سوى ما نختارُه منها واللّه الموفّق . المبحث الثاني : في إبطال كلّ واحد من هذه الأقسام التي ذكرناها سوى ما نختار منها . وجملة ما نذكره من ذلك مذاهب : المذهب الأوّل منها : الصّرْفة ، وهذا هو رأي أبي إسحاق النظّام ، وأبي إسحاق النصيبي ، من المعتزلة واختاره الشريف المرتضى من الإماميّة ، واعلم أنّ قول أهل الصّرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة ، لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال كما سنوضّحه . ( ذكرنا التفاسير الثلاثة عند الكلام عن مذهب الصرفة ) . ثمّ قال : وحاصل الأمر في هذه المقالة ، أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن ، إلّا أنّ اللّه تعالى منعَهم بما ذكرناه ، قال : والذي غَرَّ هؤلاء حتّى زعموا هذه المقالة ، مايَروْنَ من الكلمات الرشيقة ، والبلاغات الحسنة ، والفصاحات المستحسنة ، الجامعة لكلّ الأساليب البلاغيّة في كلام العرب الموافقة لما في القرآن ، فزعم هؤلاء أنّ كلّ من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة ، لا يقصر عن معارضته ، خَلا ما عَرَض من منع اللّه إيّاهم بما ذكرناه من الموانع ، والذي يدلّ على بطلان هذه المقالة براهين .