تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وسأُوضّح لك ذلك بشيء من دقيق المسالك ، منه فواتح السّور التي هي حروف هجاء وإذا نظرتها ببادي الرأي وجدتها ممّا يكاد يمجّه السمع ويقلّ به النّفع ، مع أنّها من الحسن ترفل في أثواب الحبر ويقصر عنها دقيق النظر ، وذلك من وجوه : الأوّل : إنّها كالمهيّجة لمن سمعها من الفصحاء والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل والأخذ في التفاضل . ألا تراها بمنزلة زمجرة الراعد قبل الماطر في الأعلام لتعي الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أُفيض عليها من الأنعام وتخاف مواقع الانتقام بما فيه من العجمة التي لا تؤلّف الكلام . وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف على معانيه بعد حفظ مغانيه . بل حكم الدواعي الجبليّة أن تبعث على ذلك اضطرارا لا اختيارا ، لاسيّما وهي صادرة عن رجل عليه مهابة وجلالة قد قام مقام اولي الرسالة وكشف ما هم عليه من الجهالة والضلالة وتواعدهم بأنّ الهلكات نازلة بهم لا محالة . الثاني : التنبيه على أنّ تعداد هذه الحروف ممّن لم يمارس الخطّ ولم يعان النظر فيه ، على ما قال تعالى :
« وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ »
« 1 » متنزّل منزلة الأقاصيص عن الأُمم السالفة ممّن ليس له اطّلاع على ذلك . الثالث : انحصارها في نصف أسماء حروف المعجم ، لأنّها أربعة عشر حرفا وهي : الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون . الرابع : مجيؤها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف . الخامس : كما روعي تنصيفها باعتبار هجائها روعي تنصيفها باعتبار أجناسها ، كالمجهورة ، وهي ما عدا قولك : « ستشحثك خصفه » وهذه « المهموسة » والرخوة ، وهي ما عدا قولك : « أجدك قطبت » وهي « الشديدة » وما بينهما ، وهي قولك : « لم يرعونا » والمطبقة ، وهي الضاد والظاء والصاد والطاء . والمنفتحة « وهي ما عداها » . والمستعلية ،
هامش
( 1 ) - العنكبوت 48 : 29 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 84 | الشيخ محمد هادي معرفة