المخصوص معجز على ما قال تعالى :
« لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ »
، والمراد النظم بدليل
« فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ »
وليس في كلّ سورة إخبار بالغيب ، دلّ على أنّ المراد نظمه .
فإن قلت : الضمير في « مثله » عائد إلى اللّه تعالى .
قلت : يضعّفه قوله تعالى :
« قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ »
« 1 » والسياق واحد .
فإن قلت : الواحد من العرب قد يؤلّف الخطبة أو القصيد ويعجز غيره عن مثلها ، ولم يعد ذلك معجزا ، كما تراه من خطب علي عليه السلام وكلام قسّ وشعر امرئ القيس والأعشى وغيرهما من المتقدّمين والمتأخّرين . ولقد ألّف الناس كتبا في الفنون وصنّفوا خطبا اعترف بأنّها يتيمة دهر وفريدة عصر !
قلت : أين النبع من الغَرَب ، والصبر من الضَرَب « 2 » وهل يحتوي كتاب أو يشتمل خطاب على ما اشتمل عليه كتاب اللّه تعالى من سهولة لفظ وجزالته وبلاغة معنى وغرابته ، وعجائب لا تنقضي وعرائس في نفائس الحلي تنجلي ، ومن ثمّ قالوا : « إنّ له لحلاوة وأنّ عليه لطلاوة وأنّ أسفله لمعرق وأنّ أعلاه لمثمر » . وعن ابنمسعود : « إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنّق فيهنّ » . أي أتتبّع محاسنهنّ . لم يقل ذلك من أجل أوزان الكلمات ولا من أجل إعرابها ولا من أجل الفواصل في أواخر الآيات ، ولا من أجل التأليف فقط ، بل ذلك راجع إلى دقّة النظم مع زيادة الفائدة .
هذا وأنّه لصادر على لسان من لم يمارس الخطّ والخطب وينافس في معرفة الدرّ من المخشلب . « 3 » وإذا جعلت الكلمات اليسيرة من عيسى عليه السلام آية ، مع أنّها الجارية من الأكابر عادة ، فلئن تجعل الغايات الكثيرة والسورة الطويلة المشتملة على أصناف فنون الآداب والفصاحة والبلاغة التي يعجز عنهما الوصف ويكلّ دونهما حدّ الطرف ، من رجل حاله ما سبق ، أحرى وأولى .
هامش
( 1 ) - هود 13 : 11 .
( 2 ) - النبع : شجر للقسي والسهام ينبت في رؤوس الجبال . والغرب : نبت ضعيف ينبت على الأنهار . الصبر : عصارة شجرٍ مرّ . الضَرَب : العسل .
( 3 ) - يقال : أراه الدرّ مخشلبا ، وهو : خرز من محارة البحر وليس بدرّ .