وإذا ثبت أنّهم لم يعارضوه ، فإنّما لم يعارضوه للعجز ، لأنّ كلّ فعل لم يقع مع توفّر الدواعي لفاعله وشدّة تداعيه عليه ، قطعنا على أنّه لم يفعل للتعذّر . وقد توفّرت دواعي العرب إلى معارضته فلم يفعلوها ، وقد تكلّفوا المشاقّ من أجله ، فقد بذلوا النفوس والأموال وركبوا الحروب العظام ودخلوا الفتن ، طلبا لإبطال أمره ، فلو كانت المعارضة ممكنة لهم لما اختاروا الصعب على السهل ، لأنّ العاقل لا يترك الطريق السهل ، ويسلك الطريق الوعر الذي لا يبلغ معه الغرض ، إلّا أن يختلّ عقله أو يسفه رأيه ، والقوم لم يكونوا بهذه الصفة .
وليس لأحد أن يقول : إنّهم اعتقدوا أنّ الحرب أنجح من المعارضة فلذلك عدلوا إليها .
وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يدّع النبوّة فيهم بالغلبة والقهر ، وإنّما ادّعى معارضة مثل القرآن ، ولم يكن احتمال حرب إذ ذاك . ثمّ مع قيام الحرب كانوا في الأغلب مغلوبين مقهورين ، فكان يجب أن يقوموا بالمعارضة ، فإن انجعت وإلّا عدلوا إلى الحرب .
فإن قالوا : خافوا أن يلتبس الأمر فيظنّ قوم أنّه ليس مثله . قيل : قد حصل المطلوب ، لأنّ الاختلاف حينذاك يوجب الشبهة ، فكان أولى من الترك الذي يقوى معه شبهة العجز .
وليس لهم أن يقولوا : لم تتوفّر دواعيهم إلى ذلك . لأنّهم تحمّلوا المشاق ، والعاقل لايتكلّف ذلك إذا لم تتوفّر دواعيه إلى إبطال دعوى خصمه .
فإن قالوا : إنّما لم يعارضوه ، لأنّ في كلامهم ما هو مثله أو مقاربه . قلنا : هذا غير مسلّم .
وعلى فرض التسليم فإن التحدّي وقع لعجزهم فيما يأتي ، فلو كان في كلامهم مثله فهو أبلغ لعجزهم في تحقّق التحدّي بالعجز عن الإتيان بمثله في المستقبل .
فإن قيل : واطأه قوم من الفصحاء . قيل : هذا باطل ، لأنّه كان ينبغي أن يعارضه من لم يواطئه ، فإنّهم وإن كانوا أدون منهم في الفصاحة ، كانوا يقدرون على ما يقاربه - على الفرض - لأنّ التفاوت بين الفصحاء لا ينتهي إلى حدّ يخرق العادة . على أنّ الفصحاء المعروفين والبلغاء المشهورين في وقته ، كلّهم كانوا منحرفين عنه ، كالأعشى الكبير الذي في الطبقة الأُولى ومن أشبهه مات على كفره ، وكعب بنزهير ، أسلم في آخر الأمر ، وهو
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 67
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٦٧