فإن قيل : إنّما تركوا المعارضة ، لاشتمال القرآن على قصص كانوا يجهلون أمثالها .
قيل له : القرآن مشتمل على كثير من أنواع الكلام ، فلو كانت المعارضة ممكنة لهم لأتوا بسائر أنواع الكلام وجعلوها معارضة للقرآن . على أنّه كان بإمكانهم أن يصنعوا من عندهم قصصا ويكسونها من العبارات الجيّدة العظيمة أجزلة ما يقارب القرآن في الفصاحة ويدانيه فيلتبس الحال فيه .
وأيضا فإنّ القرآن قد تحدّى اليهود أيضا ، وفيهم العلماء بالأخبار والعارفون بالأقاصيص كما أنّ العرب كانوا قد بعثوا إلى الفرس يطلبون منهم القصص ، نحو قصّة رستم واسفنديار ، وجمعوا من ذلك شيئا كثيرا لكنّهم عجزوا في النهاية أن يجعلوه معارضة للقرآن .
فإن قيل : عجز العرب عن معارضته ، لعلّه كان من جهة أنّ القرآن كان من كلام محمد صلى الله عليه وآله وكان متقدّما في الفصاحة على جميع العرب ، ولهذا قال : « أنا أفصح العرب » .
قيل له : ليس الأمر على ما ظننت ، فإنّه يستحيل فيمن نشأ بين جماعة يتعاطون البلاغة ويتباهون بالفصاحة ، أن يتعلّمها ويأخذها منهم ، ثمّ يبلغ فيها حدّا لا يوجد في كلام واحد منهم ، بل في كلام جماعتهم ، فصل يساوي كلامه في الفصاحة أو يدانيه أو يقرب منه أو يشتبه الحال فيه !
فإن قيل : هب أنّ القرآن معجزة ، وأنّ العرب علموا إعجازه ، لعلمهم بأنّه قد تناهى في الفصاحة حدّا . وأنتم فبأيّ طريق علمتم معنا فيه ، يا معشر العجم !
قلنا : إنّ العلم بذلك على وجهين : أحدهما علم تفصيل ، والآخر علم جملة ، والعرب علموا ذلك على سبيل التفصيل ، ونحن فقد علمناه على سبيل الجملة . وطريقته : هو أنّ محمّدا صلى الله عليه وآله تحدّى العرب بمعارضته ، فلم يمكنهم الإتيان بمثله فلولا كونه معجزا دالًاّ على نبوّته ، وإلّا لما كان ذلك كذلك . « 1 »
هامش
( 1 ) - شرح الأُصول الخمسة ، للقاضي عبد الجبار ، ص 586 - 594 .