تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
وقال قوم : كان معجزا لما فيه من العلم بالغائبات . وقال آخرون : كان معجزا لارتفاع الخلاف والتناقض فيه ، مع جريان العادة بأنّه لا يخلو كلام طويل من ذلك . وأقوى الأقوال عندي قول من قال : إنّما كان معجزا خارقا للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص ، دون الفصاحة بانفرادها ، ودون النظم بانفراده ، ودون الصرفة . وإن كنت نصرت في شرح الجمل « 1 » القول بالصرفة ، على ما كان يذهب إليه المرتضى رحمه الله من حيث شرحت كتابه ، فلم يحسن خلاف مذهبه . قال : والذي يدلّ على ما قلناه واخترناه : أنّ التحدّي معروف بين العرب بعضهم بعضا ، ويعتبرون في التحدّي معارضة الكلام بمثله في نظمه ووصفه ، لأنّهم لايعارضون الخطب بالشعر ولا الشعر بالخطب ، والشعر لا يعارضه أيضا إلّا بما كان يوافقه في الوزن والرويّ والقافية ، فلا يعارضون الطويل بالرجز ، ولا الرجز بالكامل ، ولا السريع بالمتقارب ، وإنّما يعارضون جميع أوصافه . فإذا كان كذلك ، فقد ثبت أنَّ القرآن جمع الفصاحة المفرطة والنظم الذي ليس في كلام العرب مثله ، فإذا عجزوا عن معارضته ، فيجب أن يكون الاعتبار بهما . فأمّا الذي يدلّ على اختصاصها بالفصاحة المفرطة ، فهو أنّ كلّ عاقل عرف شيئا من الفصاحة يعلم ذلك ، وإنّما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كلّ فصيح ، وكيف لا يكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الأوّلة قد شهدوا بذلك وطربوا له ، كالوليد بن‌المغيرة والأعشى الكبير وكعب بن‌زهير ولبيد بن‌ربيعة والنابغة الجعدي ، ودخل كثير منهم في الإسلام ككعب والنابغة ولبيد ، وهمّ الأعشى بالدخول في الإسلام فمنعه من ذلك أبو جهل وفزّعه ، وقال : إنّه يحرّم عليك الأطيبين الزنا والخمر . فقال له : أمّا الزنا فلا حاجة لي فيه ، لأنّي
هامش
( 1 ) - في كتابه تمهيد الأُصول شرحا على القسم النظريّ من جمل العلم والعمل ، وقد طبع أخيرا ( 1362 ه . ش ) في جامعة طهران ، وسننقل كلامه عند التعرّض للقول بالصرفة .