تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
قيل له : أمّا الأوّل فلا يصحّ ، لأنّ المعارضة كانت عادتهم ، ولهذا لم يأت شاعر بقصيدة فيما بينهم إلّا وشاعر آخر يعارضه أو رام معارضته ، وهذا معلوم من حال شعرائهم ، نحو امرئ القيس وعلقمة وأشباههما . وأمّا الثاني ، فباطل أيضا ، لأنّ كلّ أحد يعلم أنّ خصمه إذا أتاه بأمر ، وادعى لمكانه منزلة عظيمة عليه ، وتحدّاه بمعارضته ، فإنّه متى عارضه فقد أبطل دعواه ، وهذا ممّا لا يخفى على الصبيان في مباراتهم بأمثال الطفرة وإشالة الحجر ونحوهما ، فكيف على دهاة العرب ! فإن قيل : إنّهم أرادوا استئصاله بالمقاتلة . قلنا : لولا عجزهم عن المعارضة لما أرادوا استئصاله ، لأنّهم لو قدروا على المعارضة كانت أسهل عليهم في استئصاله وإسقاطه من مكانه في العرب المكان الذي كان . ولا يليق بالعاقل العدول عن الأمر السهل إلى الأمر الصعب ، وقد كانت المعارضة التي كانت عندهم - بزعمهم - بمنزلة الأكل والشرب والقيام والقعود . فإن قيل : لعلّهم إنّما قاموا بالمقاتلة دون المعارضة ، لإبطال دعواه وحسم مادّته ، إذ ربّما لا تنقطع مادّته بالمعارضة ، وأنّ الخلاف يبقى ، ويكون الناس بين رجلين : رجل له ورجل عليه ، فتطول المنازعة ولا تنقطع . قيل لهم : إنّ هذا لو كان صارفا عن معارضة القرآن ، فليكن صارفا عن سائر المعارضات الشعريّة التي كانت متداولة عندهم ، إذ يكون الناس بين متعصّب لهذا ومتعصّب لذاك ، فليمسكوا عن المعارضة رأسا ! فإن قيل : لعلّهم أخطؤوا في العدول إلى المحاربة ، كما أخطؤوا في عبادة الأصنام عن عبادة اللّه تعالى . قيل له : إنّما أخطأتم أنتم في القياس ، لأنّ ذلك أمر نظري يستدرك بطريقة الاستدلال والاستنباط ، ممّا يمكن فيه الخطأ . وليس حال المعارضة كذلك ، فإنّه ضروري لايتصوّر فيه الخطأ .