تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
فإن قيل : ومن أين أنّهم تركوا المعارضة ولم يعارضوه البتة ؟ قيل له : إنّهم لوعارضوه لكان يجب أن ينقل إلينا معارضتهم ، فإنّه لا يجوز في حادثتين عظيمتين تحدثان معا ، وكان الداعي إلى نقل إحداهما كالداعي إلى نقل الأُخرى ، أن تخصّ إحداهما بالنقل ، بل الواجب أن تنقلا جميعا أو لاتنقلا ، فأمّا أن تنقل إحداهما دون الأُخرى فلا . ولا يمكن إنكار ما قلناه من أنّ الداعي إلى نقل أحد الحادثين كالداعي إلى نقل الآخر ، بل لو قيل : أنّ الداعي إلى نقل المعارضة أقوى لكان أولى ، إذ المعارضة ممّا ينقلها المخالف والموافق . المخالف ينقله ليرى الناس أنّ فيه إبطال حجّة محمّد صلى الله عليه وآله والموافق ينقله ليتكلّم عليه ويبيّن أنّ ذلك ليس من المعارضة في شيء . ويزيد ما ذكرنا وضوحا ، أنّهم نقلوا من المعارضات ما هي ركيكة كمعارضة مسيلمة وغيره ، فلولا أنّ دواعيهم كانت متوفّرة إلى ذلك ، كان لاينقل إلينا هذه المعارضة على ركّتها . قال : وبعدُ ، فإنّ المعارضة لو كانت لكانت هي الحجّة ، ولكان القرآن هو الشبهة ، واللّه تعالى لا يجوز أن يسلّط علينا الشبهة على وجه لا سبيل لنا إلى حلّها ، ويمكن من إخفاء الحجّة على حدّ لا يمكن الظفر بها ، بل كان يجب أن يقوي الدواعي إلى نقل المعارضة أن لو وقعت ، فلمّا لم يفعل ، دلّنا ذلك على أنّها لم تقع البتة ، وأنّ ذلك تمنّ . فإن قيل : إنّ ما ذكرتموه يبنى على أنّ العرب كانوا حريصين على إبطال أمره وتوهين شأنه ، وكان لم يمكنهم إلّا بالمعارضة ، ونحن لا نسلّم ذلك . قيل له : إنَّ ذلك معلوم بالاضطرار ، فمعلوم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله ادعى منزلة رفيعة عليهم ، وهم كانوا في غاية الأنفة والحميّة والإباء ، فكيف لم يحرصوا والحال هذه على إبطال أمره ورفع حجّته أن لو قدروا ! فإن قيل : لعلّ القوم لم يعلموا طريقة المعارضة والحجاج ، ولو علموا ذلك فلعلّهم لم يعلموا أنّ أمره يبطل بالمعارضة !