النبوّة ، وظهر عليه القرآن ، وسمع منه ولم يسمع من غيره ، وأنّه تحدّى العرب بمعارضته وقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله فلم يأتوا به ، لا لوجه سوى عجزهم وقصورهم عن الإتيان بمثله .
فمتى عرفت هذه الوجوه كلّها كنت عارفا بنبوّة محمّد صلى الله عليه وآله .
أمّا وجوده ، وادّعاء النبوّة ، وإنّ القرآن ظهر عليه ، وسمع منه ولم يسمعوا من غيره فمعلوم ضرورة ، ولا مانع يمنع من حصول العلم بهذه الأشياء وما جانسها اضطرارا ، فإنّ العلم بالملوك والبلدان وبكون المصنّفات منسوبة إلى مصنّفها ضرورة .
وأمّا تحدّيه العرب بمعارضة القرآن ، وتقريعه إيّاهم بالعجز عن ذلك ، ففي أصحابنا من جعل العلم به ضروريّا ، ومن جعله مكتسبا . ومن جعله مكتسبا قال : ليس المرجع بالتحدّي إلّا أن يعتقد أنّ له مزيّة على غيره بسبب ما معه ، وهذا كان حال النبي صلى الله عليه وآله مع القوم ، فكان يعتقد أنّه خير الناس لمكان ما جاء به من القرآن ، فكيف يمكن إنكار أنّه لم يتحدّاهم بمعارضته ولم يقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله ؟
وأيضا فكتاب اللّه تعالى مشحون بآيات التحدّي ، وهي مسموعة الآن والتحدّي قائم على وجه الدهر ، وفي الفصحاء كثرة في هذه الأزمان ، فيجب أن يأتوا بمثله . ومتى قالوا :
أنّ الفصاحة تناقصت الآن كالشعر ، قلنا : إن أمكن أن يقال ذلك في الشعر فلا يمكن في الفصاحة ، ففي خطباء هذه الأزمنة من لا يداني كلامه كلام أفصح فصيح في ذلك الزمان .
فهذا واصل بنعطاء ربّما تفي خطبة من خطبه بكثير من كلام فصحاء أُولئك العرب . وهذا أبو عثمان عمرو بنعبيد ، ففصل من كلامه ربّما يزيد على كلام أبينهم كلاما وأجزلهم لفظا وأفصحهم لسانا ، فكيف يصحّ ما ذكرتموه ؟
وأمّا ترك العرب معارضة القرآن ، وعدولهم عنه إلى المقاتلة ، فظاهر أيضا ، فإنّهم حين أحسّوا من أنفسهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن ، تركوه إلى المقاتلة ، وذلك يؤذن بعجزهم عن ذلك ، وإلّا فالعاقل إذا أمكنه دفع خصومه بأيسر الأمرين لا يعدل عنه إلى أصعبهما .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 62
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٦٢