أعجزهم من اللفظ ، أم بهرهم منه ؟ . .
فقلنا : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ومواقعها ، وفي مضرب كلّ مثل ، ومساق كلّ خبر ، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام ، وتذكير وترغيب وترهيب ، ومع كلّ حجّة وبرهان ، وصفة وتبيان وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة ، وعشرا عشرا ، وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها ، أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى وأخلق ، بل وجدوا اتساقا بهر العقول ، وأعجز الجمهور ، ونظاما والتئاما ، وإتقانا وإحكاما ، لم يدع في نفس بليغ منهم لو حكّ بيافوخه السماء « 1 » موضع طمع ، حتى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول وخلدت القروم . « 2 » فلم تملك أن تصول . . . « 3 »
ويعقّب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن ، ومزايا ظهرت في نظمه وسياقه ، بهرت العرب الأوائل ، فهل ينبغي للفتى الذكي العاقل أن يكون مقلّدا في ذلك ، أم يكون باحثا ومتتبّعا كي يعلم ذلك بيقين ؟
يقولون أقوالًا ولا يعلمونها * ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا « 4 »
ومن ثمّ وضع كتابه الحاضر ( دلائل الإعجاز ) ليدلّ الناشدين على ضالّتهم ، ويضع يدهم على مواقع الإعجاز من القرآن ، ويدعم مدّعاه في ذلك بالحجّة والبرهان . والرائد لا يكذب أهله . قال : وبذلك قد قطعت عذر المتهاون ، ودللت على ما أضاع من حظّه ، وهدايته لرشده . . . « 5 »
وقال في رسالته الشافية - : كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيه والهمم العلية والأنفة والحمية من يدّعي النبوّة ويقول : وحجّتي أنّ اللّه قد أنزل عليّ كتابا تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه ، إلّا أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله
هامش
( 1 ) - اليافوخ : مقدّمة الدماغ في الرأس وهو مثل يضرب لمن يستعلي ويتكبّر .
( 2 ) - القرم - بالفتح - : الفحل إذا ترك عن الركوب والعمل .
( 3 ) - دلائل الإعجاز ، ص 27 - 28 .
( 4 ) - البيت لأبي الأسود الدؤلي .
( 5 ) - المصدر ، ص 29 .