يشبه اختيار أبيسليمان البُستي ، ولعلّه اختزال منه ، ذكره في مقدّمة تفسيره ( المحرّر ) ونقله الإمام بدرالدين الزركشي ، مع تصرّف واختصار .
قال ابنعطيّة : إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق ، وهو الصحيح في نفسه ، أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه ، وصحّة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما ، وأحاط بالكلام كلّه علما ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم - بإحاطته - أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره .
والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورةً أنّ بشرا لم يكن قطّ محيطا ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا النظر يبطل قول من قال : إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله ، فلمّا جاءهم محمّد صلى الله عليه وآله صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه ! والصحيح أنّ الإتيان بمثل القرآن لم يكن قطّ في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر ، في أنّ الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ، ثمّ لا يزال ينقّحها حولًا كاملًا ، ثمّ تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة خاصة فيبدّل فيها وينقّح ، ثمّ لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل . وكتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة ، ثمّ أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد ، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق ، وجودة القريحة ، وميز الكلام .
قال : وقامت الحجّة على العالم بالعرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة كما قامت الحجّة في معجزة عيسى بالأطبّاء ، وفي معجزة موسى بالسحرة ، فإنّ اللّه تعالى إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمن النبيّ الذي أراد إظهاره ، فكان السحر في مدّة موسى قد انتهى إلى غايته ، وكذلك الطبّ في زمن عيسى ، والفصاحة في مدّة محمد صلى الله عليه وآله . « 1 »
هامش
( 1 ) - المحرّر الوجيز ، المقدّمة ، ج 1 ، ص 52 - 53 . وراجع : الزركشي في البرهان ، ج 2 ، ص 97 .