تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠

3 - رأي عبد القاهر الجرجاني

يرى الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 ) - وهو الواضع الأوّل لُاسس علمَي المعاني والبيان - أنّ إعجاز القرآن الذي تحدّى به العرب قائم بجانب فصاحته البالغة وبلاغته الخارقة ، وبأُسلوب بيانه ذلك البديع ، ممّا هو شأن نظم الكلام وتأليفه في ذلك التناسق والتلاؤم العجيب . الأمر الذي لايمسّ شيئا من معاني القرآن وحِكَمه وتشريعاته ، وهي كانت موجودة من ذي قبل في كتب السالفين ، وقد أطلق لهم المعاني من أيّ نمط كانت . وقد وضع كتابيه « أسرار البلاغة » و « دلائل الإعجاز » تمهيدا لبيان وجوه إعجاز القرآن لمن مارس أسرار هذا العلم . وثلّثهما برسالته « الشافية » التي خصّصها بالكلام حول إعجاز القرآن والإجابة على أسئلة دارت حول الموضوع . قال - في مقدّمة كتابه دلائل الإعجاز ، بعد أن أشاد بشأن النظم في الكلام وتأليفه وتنسيقه - : وإذا كان ذلك كذلك ، فما جوابنا لخصم يقول لنا : إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم ، موجودة على حقائقها وعلى الصّحة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه ، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكملوا بمعرفتها ، وكانت حقائق لا تتبدّل ولا يختلف بها الحال ، إذ لا يكون للاسم بكونه خبرا لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالًا لذي حال أو فاعلًا أو مفعولًا لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر . . . . فما هذا الإعجاز الذي تجدّد بالقرآن من عظيم المزيّة ، وباهر الفضل ، والعجيب من الوصف ، حتى أعجز الخلق قاطبةً ، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القُوى والقدر ، وقيّد الخواطر والفكر ، حتى خرست الشقاشق « 1 » وعدم نطق الناطق وحتى لم يجر لسان ، ولم يبن بيان ، ولم يساعد إمكان ، ولم ينقدح لأحد منهم زند ، ولم يمض له حدّ ، وحتى أسال
هامش
( 1 ) - الشقاشق : جمع شقشقة - بكسر الشين - وهي لهاة البعير أو شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ويقال للفصيح : هدرت شقاشقه ، يريدون الانطلاق في القول وقوّة البيان ويقال في مقابل ذلك : خرست شقاشقه .