الشعريّ النغميّ الغريب .
قال - بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفا - :
وهذه الجملة المذكورة ، وإن كانت دالّة على كون القرآن معجزا ، فليس بمقنع إلّا بتبيين فصلين :
أحدهما : أن يبيّن ما الذي هو معجز : اللفظ أم المعنى أم النظم ؟ أم ثلاثتها ؟ فإنّ كلّ كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة .
والثاني : أنّ المعجز : هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان ، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام .
فأمّا ما كان نوعه مقدورا ، فمحلّه محلّ الأفضل وما كان من باب الأفضل في النوع فإنّه لايحسم نسبة ما دونه إليه . وإن تباعدت النسبية حتّى صارت جزءً من ألف ، فإنّ النجّار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزا إذا استطاع غيره جنسَ فِعْلِه ، فنقول وباللّه التوفيق :
إنّ الإعجاز في القرآن على وجهين : أحدهما : إعجاز متعلّق بفصاحته ، والثاني :
بصرف الناس عن معارضته .
فأمّا الإعجاز المتعلّق بالفصاحة ، فليس يتعلّق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى ، وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم ، ولذلك قال تعالى :
« قُرْآناً عَرَبِيًّا »
« 1 » وقال :
« ألم ذلِكَ الْكِتابُ »
« 2 » تنبيها أنّ هذا الكتاب مركّب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام .
ولا يتعلّق أيضا بمعانيه ، فإنّ كثيرا منها موجود في « الكتب المتقدّمة » ولذلك قال تعالى :
« وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ »
« 3 » وقال :
« أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى » .
« 4 » وما هو معجز فيه من جهة المعنى ، كالإخبار بالغيب ، فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن ، بل هو لكونه خبرا بالغيب ، وذلك سواء كونه بهذا النظم أو بغيره ، وسواء كان موردا
هامش
( 1 ) - يوسف 2 : 12 .
( 2 ) - البقرة 1 : 2 - 2 .
( 3 ) - الشعراء 196 : 26 .
( 4 ) - طه 133 : 20 .