تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الحاصل من ممارسة علمَي الفصاحة والبلاغة وطول خدمتهما لاغير . فقد جعل للبلاغة طرفين ، أعلى وأسفل وبينهما مراتب لا تحصى . والدرجة السفلى هي التي إذا هبط الكلام عنها شيئا التحق بأصوات الحيوانات ، ثمّ تتزايد درجة درجة متصاعدة ، حتى تبلغ قمّتها وهو حدّ الإعجاز ، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه . . . فقد جعل من الدرجة القصوى وما يقرب منها كليهما من حدّ الإعجاز . ثمّ قال بشأن الإعجاز : واعلم أنّ شأن الإعجاز عجيب ، يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، وكالملاحة . ومدرك الإعجاز - عندي - هو الذوق ليس إلّا ، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العِلمين ( المعاني والبيان ) . . . ثمّ أخذ في تحديد البلاغة وإماطة اللثام عن وجوهها المحتجبة ، وكذا الفصاحة بقسميها اللفظيّ والمعنويّ ، وضرب لذلك مثلًا بآية
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . . »
« 1 » وبيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني والبيان ، وهما مرجعا البلاغة ، ومن جهتي الفصاحة المعنويّة واللفظيّة وأسهب في الكلام عن ذلك ، وقال - أخيرا - : وللّه درّ التنزيل ، لا يتأمّل العالم آية من آياته ، إلّا أدرك لطائف لاتسع الحصر . « 2 » وغرضه من ذلك : أنّ لحدّ الإعجاز ذروة لا يبلغها الوصف ، ولكن يمكن فهمها إدراك سنامها ، بسبب الإحاطة بأسرار هذين العلمين ، فهي حقيقة تدرك ولا توصف .

5 - رأي الراغب الإصفهاني

لأبي القاسم الحسين بن‌محمد المعروف بالراغب الإصفهاني ( ت 502 ) صاحب كتاب « المفردات » رأي في إعجاز القرآن يخصّه ، أنّه يرى من الإعجاز قائما بسبكه الخاصّ ونظمه البديع الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك ، فلا هو نثر كنثرهم المعهود ، لأنّ فيه الوزن والقافية وأجراس النغم . ولا هو شعر كشعرهم ، لأنّه لم يجر مجرى سائر أشعار العرب ولا على أوزانها المعروفة وإن كانت له خاصّية الشعر ، من التأثير في النفس بلحنه
هامش
( 1 ) - هود 44 : 11 ، وسنذكرها في ج 5 . ( 2 ) - مفتاح العلوم ، ص 196 - 199 .