ولا بعشر سوَر منه ولا بسورة واحدة ، ولو جهدتم جهدكم واجتمع معكم الجنّ والإنس .
ثمّ لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبيّنوا سرفه في دعواه ، لو كان ممكنا لهم ، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدّا تركوا معه أحلامهم وخرجوا عن طاعة عقولهم ، حتى واجهوه بكلّ قبيح ولقوه بكلّ أذىً ومكروه ووقفوا له بكلّ طريق . وهل سمع قطّ بذي عقل استطاع أن يخرس خصمه بكلمة يجيبه بها ، فيترك ذلك إلى أمور ينسب معها إلى ضيق الذرع وأنّه مغلوب قد أعوَزته الحيلة وعزّ عليه المخلص ، وهل مثل هذا إلّا مثل رجل عرض له خصم فادّعى عليه دعوى خطيرة وأقام على دعواه بيّنة ، وكان عند المدّعى عليه ما يبطل تلك البيّنة أو يعارضها ، فيترك إظهار ذلك ويضرب عنه الصفح جملة ، ليصير الحال بينهما إلى جدال عنيف وإخطار بالمهج والنفوس . . . قال : هذه شهادة الأحوال ، وأما شهادة الأقوال فكثيرة . . . « 1 »
ثمّ قال - في وجه التحدّي - : لم يكن التحدّي إلى أن يعبّروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه ونظم يوازي نظمه ، هذا تقدير باطل . فإنّ التحدّي كان إلى أن يجيؤوا ، في أيّ معنى شاؤوا من المعاني ، بنظم يبلغ نظم القرآن ، في الشرف أو يقرب منه .
يدلّ على ذلك قوله تعالى :
« قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ »
« 2 » أي مثله في النظم ، وليكن المعنى مفترىً لما قلتم . فلا إلى المعنى دعيتم ، ولكن إلى النظم . . . « 3 »
قال : ويجزم القول بأنّهم تحدّوا إلى أن يجيؤوا في أيّ معنى أرادوا مطلقا غير مقيّد ، وموسّعا عليهم غير مضيّق ، بما يشبه نظم القرآن أن يقرب من ذلك . « 4 »
4 - رأي السكاكي
يرى أبو يعقوب ، يوسف بنمحمد بنعلي السكاكي ، صاحب مفتاح العلوم ، ( ت 567 ) أنّ الإعجاز في القرآن أمر يمكن دركه ولا يمكن وصفه ، والمدرك هو الذوق ،
هامش
( 1 ) - الشافية ، ص 120 - 122 .
( 2 ) - هود 13 : 11 .
( 3 ) - الشافية ، ص 141 .
( 4 ) - المصدر ، ص 144 .