نظوم التأليف ، مضمّنا أصحّ المعاني ، من توحيد له عزّت قدرته ، وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان بمنهاج عبادته ، من تحليل وتحريم وحظر وإباحةٍ ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساوئها ، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه . مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مَثُلات اللّه بمن عصى وعاند منهم ، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان ، جامعا في ذلك بين الحجّة والمحتجّ له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه ، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه .
. . ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتّسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله . ثمّ صار المعاندون له يقولون مرّة : إنّه شعر ، لمّا رأوه كلاما منظوما ، ومرّةً سحر ، إذ رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه ، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس ، يريبهم ويحيّرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف .
. . وكيفما كانت الحال ودارت القصّة ، فقد حصل باعترافهم قولًا ، وانقطاعهم عن معارضته فعلًا ، أنّه معجز . وفي ذلك قيام الحجّة وثبوت المعجزة ، والحمد للّه . « 1 »
* * * وأضاف - قائلًا - : إعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات ، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به ، الذي إذا ابدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام ، وإمّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة . ذلك أنّ في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني ، يحسب أكثر الناس أنّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب ، غير أنّ الأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك ، لأنّ لكلّ لفظة منها خاصّيّة تتميّز بها عن صاحبتها في بعض
هامش
( 1 ) - البيان في إعجاز القرآن للخطّابي ، ص 21 - 29 .