تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
اختصّ بها القرآن الفائقة في وصفها سائر البلاغات ، وعن المعنى الذي يتميّز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة ، قالوا : إنّه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام . قالوا : قد يخفى سببه ( سبب التفاضل بين كلامين ) عند البحث ، ويظهر أثره في النفس ، حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به . قالوا : وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه ، والكلامان معا فصيحان ، ثمّ لا يوقف لشيء من ذلك على علّة . . . قلت : وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم ، ولا يشفي من داء الجهل به ، وإنّما هو إشكال أُحيل به على إبهام . وبذلك ينتهي إلى إبداء رأيه الأخير في وجه الإعجاز ، قائلًا : فأمّا من لم يرض من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن باطن العلّة ، ولم يقنع في الأمر بأوائل البرهان حتى يستشهد لها دلائل الامتحان ، فإنّه يقول : إنّ الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع ، والهشاشة في نفسه ، وما يتحلّى به من الرونق والبهجة ، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب ، والتأثير في النفوس ، فتصطلح من أجله الألسن على أنّه كلام لا يشبهه كلام ، وتحصر الأقوال عن معارضته ، وتنقطع به الأطماع عنها ، أمرٌ لابدّ له من سبب ، بوجوده يجب له هذا الحكم ، وبحصوله يستحقّ هذا الوصف . قال : وقد استقرأنا أوصافه الخارجة عنه ، وأسبابه النابتة منه ، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر ، أو يستقيم في القياس ، ويطرد على المعايير . فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته ، ومستقصى من جهة نفسه ، فدلّ النظر وشاهد العبر على أنّ السبب له والعلّة فيه : أنّ أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز الطلق الرسل . وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ، دون الهجين المذموم ، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة .