تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ثمّ أخذ في بيان مذاهب اخر في بيان وجه الإعجاز ، قال : وذهب قوم إلى أنّ العلّة في إعجازه الصّرفة ، أي صرف الهمم عن المعارضة ، وإن كانت مقدورا عليها ، غير معجوز عنها ، إلّا أنّ العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجاري العادات ، صار كسائر المعجزات . . . قال : وهذا أيضا وجه قريب ، إلّا أنّ دلالة الآية تشهد بخلافه ، قال سبحانه :
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
« 1 » فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلّف والاجتهاد ، وسبيله التأهّب والاحتشاد . والمعنى في الصّرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة ، فدلّ على أنّ المراد غيرها ، واللّه أعلم . * * * قال : وزعمت طائفة أنّ إعجازه إنّما هو فيما يتضمّنه من الأخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان ، نحو قوله سبحانه :
« وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ »
« 2 » وكقوله سبحانه :
« قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ »
« 3 » ونحوهما من الأخبار الّتي صدقت أقوالها مواقع أكوانها . . قلت : ولا يشكّ في أنّ هذا وما أشبهه من أخباره نوع من أنواع إعجازه ، ولكنّه ليس بالأمر العامّ الموجود في كلّ سورة من سور القرآن ، وقد جعل سبحانه في صفة كلّ سورة أن تكون معجزة بنفسها ، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها ، فقال :
« فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » .
« 4 » من غير تعيين ، فدلّ على أنّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه . وزعم آخرون أنّ إعجازه من جهة البلاغة ، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر ، وفي كيفيّتها يعرض لهم الإشكال ، ويصعب عليهم منه الانفصال . ووجدت عامّة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة القرآن على نوع من التقليد ، وضرب من غلبة الظنّ دون التحقيق له وإحاطة العلم به . ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي
هامش
( 1 ) - الإسراء 88 : 17 . ( 2 ) - الروم 3 : 30 - 4 . ( 3 ) - الفتح 16 : 48 . ( 4 ) - البقرة 23 : 2 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 43 | الشيخ محمد هادي معرفة