تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
فالقسم الأوّل أعلى طبقات الكلام وأرفعه . والقسم الثاني أوسطه وأقصده . والقسم الثالث أدناه وأقربه ، فحازت بلاغات القرآن من كلّ قسم من هذه الأقسام حصّةً ، وأخذت من كلّ نوع من أنواعها شعبةً ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين ، لأنّ العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه ، مع نبوّ كلّ واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن . * * * قال : وإنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لُامور ، منها : أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربيّة وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها ، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض ، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها ، إلى أن يأتوا بكلام مثله . . . وإنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ، ومعنى قائم به ، ورباط لهما ناظم . وإذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتّى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشدّ تلاؤما وتشاكلًا من نظمه . . . وأمّا المعاني فلا خفاء على ذي عقل ، أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها ، والترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها . . . . وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام ، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه ، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير ، الذي أحاط بكلّ شيء علما ، وأحصى كلّ شيء عددا . * * * قال : فتفهّم الآن واعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 45 | الشيخ محمد هادي معرفة