تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله علىحال ، فلاموضع لها . والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمرّ على وجه الدهر ، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه . وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد تحدّى العرب قاطبةً بأن يأتوا بسورة من‌مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه . وقد بقي صلى الله عليه وآله يطالبهم به مدّة عشرين سنة ، مظهرا لهم النكير ، زاريا على أديانهم ، مسفّها آرائهم وأحلامهم ، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس ، وأُريقت المهج ، وقطعت الأرحام ، وذهبت الأموال . . . . . . ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الأُمور الخطيرة ، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة « 1 » ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول ، إلى الحزن الوعر من الفعل . « 2 » هذا مالا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لبّ . وقد كان قومه قريش خاصّة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب ، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلّقون « 3 » وقد وصفهم اللّه تعالى في كتابه بالجدل واللدد ، فقال سبحانه :
« ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » .
« 4 » وقال سبحانه :
« وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا »
« 5 » فكيف كان يجوز - على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة - أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه « 6 » وأن يضربوا عنه صفحا ، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه ، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه . قال : وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبيَنُها دلالة وأيسرها مؤونة . وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفيّة وجه الإعجاز فيه . « 7 »
هامش
( 1 ) - الفاقرة : الداهية . والإبارة : الإهلاك . ( 2 ) - الدماثة : السهولة . يقال : أرض دمث أي ذلول ، ضدّ الحزونة والوعورة . ( 3 ) - المصقع : البليغ . وشاعر مفلّق - بزنة اسم الفاعل - مبدع . ( 4 ) - الزخرف 58 : 43 . ( 5 ) - مريم 97 : 19 . ( 6 ) - اهتبال الفرصة : اغتنامها . ( 7 ) - أي وهذا أَيسر الوجوه لمن أراد الاقتناع النفسي ولو تقليدا وليس تحقيقا .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 42 | الشيخ محمد هادي معرفة