تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
البشر الإتيان بمثله ، لأنّ علمهم لا يحيط بجيمع أسماء اللغة وأوضاعها . ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جمع النظوم التي بها ائتلافها وارتباطها بعضها ببعض . وإنّما صار القرآن معجزا ، لأنّه جاء بأفصح الألفاظ ، في أحسن نظوم التأليف ، مضمّنا أصحّ المعاني . ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأُمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتّسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر . وعمود البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات ، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام ، موضعه الأخصّ الأشكل به . ومن هنا كاع القوم وجبنوا عن معارضة القرآن ، لما قد كان يؤودهم ويتصعّدهم منه . ويفنّد الخطّابي بعض ما أورده المعترضون من شُبَه ضدّ أُسلوب القرآن . ومن الطريف في رسالة الخطّابي ما أورده من تحليل بعض النصوص تحليلًا فنّيّا جميلًا ، يكشف فيه عن ذوق وبصر بمواطن الجمال في الكلام . وقد أثبت في آخر رسالته وجها آخر للإعجاز ذهب عنه الناس - كما يقول - وذلك صنيع القرآن بالقلوب ، وتأثيره في النفوس . ويلاحظ أنّ هذه الفكرة هي التي دار حولها بحث الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ، إذ اعتبر مصدر البلاغة في الكلام تأثيره في النفوس . والرسالة قيّمة ، فريدة في بابها ، ولعلّه لم يعهد مثلها فيما غبر وحضر ، ومن ثَمَّ اخترناها أُولى رسالة عالجت الموضوع بشكله الفنّي ، وللّه درّ مؤلّفها . واستمع الآن إلى ما يقوله هو : يقول : قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا ، وذهبوا فيه كلّ مذهب من القول وما وجدناهم بعد صدروا عن ريٍّ ، وذلك لتعذّر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته . فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة « 1 » بكونه
هامش
( 1 ) - أي أُلقيت في النفوس إلقاء . وهو قول قريب من القول بالصرفة ، ومن ثمّ رفضه .