أشْعر من الحُطَيئة « 1 » ولكنّه كان دنيء النفس ذا شرٍّ وسفهٍ لارأي له ، من الشعراء الذين في كلّ وادٍ يهيمون . كانت العرب تخاف لسانه ، كانوا يسترضونه بالمال خوفا من شرّه ، فقد كان يستدرّ الناس بتهديدهم بالهجو .
ذكروا أنّه نزل المدينة فجمعوا له من كلّ أهل بيت من قريش والأنصار العشرة والعشرين حتى كانت أربعمائة ، وظنّوا أنّهم قد أغنوه ، وما أن صارت الجمعة إلّا وهو يستقبل الإمام ماثلًا يُنادي : من يحملني على نعلين . . . « 2 » هكذا كان يفعل مع كلّ قوم ينزل فيهم وإلّا سلقهم بهجوه .
قال جرجي زيدان : وأكثر هجوه - بعد الإسلام - الذي وصل إلينا ، في الزبرقان وبغيض . كان الزبرقان من عمّال عمر بن الخطاب ، وقد عرف شدّة وطأة الحُطيئة فأحبّ أن يقرّبه فأنزله في قومه وضمن له مؤونة عياله على أن يستصفي له مدحه . وكان بغيض وإخوته ينافسون الزبرقان . فاغتنموا استهانة « امّ شذرة » امّ الزبرقان مرّة بالحُطيئة فدعوه إليهم وأكرموه وبالغوا في إكرامه ، فمدحهم بالبيت المشهور الذي رفع رؤوسهم به وهو :
قوم هم الأنف ، والأذناب غيرهم * ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا ؟
وكان من هجوه للزبرقان بهذه المناسبة :
واللّه ما معشر لاموا امرئا جنبا * في آل لأيِ بن شمّاسٍ بأكياس
إلى أن يقول :
ملّوا قراه وهرّته كلابهم * وجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لاترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لايُعدَم جوازيه * لا يذهب العرف بين اللّه والناس
فشكاه الزبرقان إلى عمر ، فدعا عمر حسانَبن ثابت ، فقال : أتراه هجاه ؟ قال : نعم ،
هامش
( 1 ) - المصدر ، ج 1 ، ص 378 .
( 2 ) - وفي رواية : على بغلين . تأريخ آداب اللغة العربية ، ج 1 ، ص 168 - 169 .