تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
يتنافس فيه الأُدباء ، ويتماثلون أو يتقاربون ، لا شيء سواه . وقد أشار السكّاكي إلى طرف من تلك المقاييس التي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام وانحطاطه ، قال - بعد أن ذكر أنّ مقامات الكلام متفاوتة ، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام ، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام - : وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك ، بحسب مصادفة الكلام لما يليق به . قال : فحسن الكلام تحلّيه بشيء من هذه المناسبات والاعتبارات بحسب المقتضى ، ضعفا وقوّة على وجه من الوجوه ( التّي يفصّلها في فنّي المعاني والبيان ) . ويقول : - بعد ذلك - : وإذ قد تقرّر أنّ مدار حسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال والاعتبار المناسب ، وعلى لا انطباقه ، وجب عليك - أيّها الحريص على ازدياد فضلك ، المنتصب لاقتداح زناد عقلك ، المتفحّص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل ، وينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق والتناضل - أن ترجع إلى فكرك الصائب ، وذهنك الثاقب ، وخاطرك اليقظان ، وانتباهك العجيب الشأن ، ناظرا بنور عقلك ، وعين بصيرتك ، في التصفّح لمقتضيات الأحوال ، في إيراد المسند إليه على كيفيّات مختلفة ، وصور متنافية ، حتّى يتأتّى بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها ، فهو الرهان الذي يجرّب به الجياد ، والنضال الذي يعرف به الأيدي الشداد فتعرف أيّما حال يقتضي كذا . . . وأيّما حال يقتضي خلافه . . . الخ . « 1 » وعليه فتزداد قوّة الكلام وصلابته وكذا روعة البيان وصولته ، كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظية والمعنويّة من الاعتبارات المناسبة ، ورعاية مقتضيات الأحوال والأوضاع ، وملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة ، على ما فصّله القوم . وقلّ من يتوفّق لذلك بالنحو الأتمّ أو الأفضل ، بل الأكثر ، ما دام الإنسان حليف النسيان . أمّا بلوغ الأقصى والكمال الأوفى ، الذي حدّ الإعجاز ، فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال .
هامش
( 1 ) - مفتاح العلوم ، ص 80 - 81 و 84 .