وفي ذلك يقول السكّاكي : « البلاغة تتزايد إلى أن تبلغ حدّ الإعجاز ، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه » . « 1 » ومنه أخذ الخطيب القزويني : « وللبلاغة في الكلام طرفان ، أعلى وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه . وأسفل وهو ما إذا غيّر الكلام إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات » . « 2 »
إذن فالطرف الأعلى ومايقرب منه ، كلاهما حدّ الإعجاز ، على ما حدّده السكّاكي ، وبذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة والبيان ، كلّه داخلًا في حدّ الإعجاز الّذي لا يبلغه البشر . وهذا هو الصحيح ، على ما سنبيّن .
وبعد ، فالمتلخّص من هذا البيان : أنّ التفاضل بين كلامين أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات - التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام - وهي من قبيل المعنى أكثر من كونها من قبيل اللفظ ، فليس المقصود بالتحدّي ، المعارضة في التشاكل اللفظي والتماثل في صورة الكلام فحسب ، كما حسبه مسيلمة الكذّاب ومن حذا حذوه من أغبياء القوم .
سرّ الإعجاز
وجوه الإعجاز في مختلف الآراء والنظرات
اختلفت أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن ، بين من أنهاه إلى عدّة وجوه ومن اقتصر على وجه واحد ، ولا يزال البحث مستمرّا عن هذا السرّ الذي هو دليل الإسلام :
1 - ذهب أرباب الأدب والبيان إلى أنّها الفصاحة البالغة والبلاغة الفائقة ، إن في بديع نظمه أو في عجيب رصفه ، الذي لم يسبق له نظير ولن يخلفه بديل . . .
قد نُضّدت عباراته نضدا مؤتلفا ، ونظّمت فرائده نظما متلائما ، وُضعت كلّ لفظة منه في موضعها اللائق بها ، ورصفت كلّ كلمة منه إلى كلمات تناسبها وتوائمها ، وضعا دقيقا ورصفا تامّا ، يجمع بين أناقة التعبير وسلاسة البيان ، وجزالة اللفظ وفخامة الكلام ، حلوا
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 196 - 199 .
( 2 ) - المطوّل للتفتازاني ، ص 31 ط استنبول .