تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الإتيان بمثله ، فليرجع إلى أُدباء عصره ، وليسألهم : هل يقدر أحد منهم على أن يأتي بمثله ؟ فإن قالوا : نعم ، لونشاء لقلنا مثل هذا ، فليقل لهم : هاتوا برهانكم . وإن قالوا : لا طاقة لنا به . فليقل لهم : أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز ؟ ثمّ ليرجع إلى التأريخ فليسأله ما بال القرون الأولى ؟ ينبّئك التأريخ أنّ أحدا لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم ، وأنّ بضعة النفر الذين أنغضوا رؤوسهم إليه ، باؤوا بالخزي والهوان ، وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان . « 1 »

التحدّي بفضيلة الكلام

قد يقول قائل : إنّ صناعة البيان ليست في النّاس بدرجة واحدة ، وهي تختلف حسب اختلاف القرائح والمُعطَيات ، ولكلّ إنسان مواهبه ومعطياته . وكلّ متكلّم أو كاتب إنّما يضع في بيانه قطعة من عقله ومواهبه ، ومن ثمّ يختلف الناس في طرق التعبير والأداء ، ولا يمكن أن يتشابه اثنان في منطقهما وفي تعبيرهما ، اللهمّ إلّا إذا كان عن تقليد باهت . إذن فكيف جاز تحدّي الناس لو يأتوا بحديث في مثل القرآن ، وهم عاجزون أن يأتوا بمثل كلام بعضهم ؟ ! لكن غير خفيّ أنّ لشرف الكلام وضعته مقاييس ، بها يعرف ارتفاع شأن الكلام وانحطاطه وقد فصّلها علماء البيان ، وبها تتفاوت درجات الكلام ويقع بها التفاضل بين أنحائه من رفيع أو وضيع ، نعم وإن كانت القرائح والمعطيات هي المادّة الأُولى لهذا التفاوت ، ولا نماري أن يكون كلام كّل متكلّم هي وليدة فطرته وحصيلة مواهبه ومعطياته بحيث لا يمكن مشاركة أيّ أحد فيما تمليه عليه ذهنيّته الخاصّة ، لكن ذلك لايوهن حجّتنا في التحدّي بالقرآن ، لأنّا لا نطالبهم أن يأتوا بمثل صورته الكلاميّة ، كلّا ، وإنّما نطلب كلاما - أيّا كان نمطه وأسلوبه - بحيث إذا قيس مع القرآن ، بمقياس الفضيلة البيانيّة ، حاذاه أو قاربه ، على شاكلة مايقاس كلمات البلغاء بعضهم مع بعض ، وهذا هو القدر الذي
هامش
( 1 ) - النبأ العظيم ، ص 75 .