رشيقا وعذبا سائغا ، يستلذّه الذّوق ويستطيبه الطبع . . . ممّا يستشفّ عن إحاطة واسعة ومعرفة كاملة بأوضاع اللّغة ومزايا الألفاظ والكلمات والتعابير . . . ويقصر دونه طوق البشر المحدود !
قالوا في دقّة هذا الرصف والنضد : لو انتزعت منه لفظة ثمّ أدير بها لغة العرب كلّها على أن يوجد لها نظير في موضعها الخاصّ ، لم توجد البتة . . .
2 - وزادوا : جانب أسلوبه البديع وسبكه الجديد على العرب ، لا هو شعر كشعرهم ، ولا هو نثر كنثرهم ، ولا فيه تكلّف السجع ولا رطانة أهل الكهانة . فهو في سبكه بديع ، لكنّه ليس بغريب : قد جَمَعَ مزايا أنواع الكلام : فيه أناقة الشعر ، وطلاقة النثر ، وجزالة السجع الرصين ، في حلاوة وطلاوة وزهوٍ وجمال : إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة . . . وإنّه يعلو وما يُعلى . كلام قاله عظيم العرب وفريدها الوليد . . .
أو كما قال الراغب : القرآن حاوٍ لمحاسن أنواع الكلام بنظم ليس هو نظم شيء منها .
3 - وتوسّع المُحْدَثون في البحث وراء نظامه الصوتي العجيب :
أنغام وألحان تبهر العقول وتُذهل النفوس ، نظّمت كلماته على أنظمة صوتية دقيقة ، ورصفت ألفاظه وعباراته على ترصيفات موسيقيّة رقيقة ، متناسبات الأجراس ، متناسقات التواقيع ، في تقاسيم وتراكيب سهلة سلسة ، عذبة سائغة ، ذات رنّة وجذبة شعريّة عجيبة ، واستهواء سحريّ غريب !
4 - وأضاف المحقّقون جانب اشتماله على معارف سامية وتعاليم راقية تنبئك عن لطيف سرّ الخليقة ، وبديع فلسفة الوجود ، في جلال وجمال وعظمة وكبرياء ، بما يترفّع كثيرا عمّا راجت في تعاليم مصطنعة ذلك العهد ، سواءٌ في أوساط أهل الكتاب أم الوثنيّين .
5 - وهكذا تشريعاته جاءت حكيمة ومتينة ، متوافقة مع الفطرة ومتوائمة مع العقل السليم . . . في طهارة وقداسة وسعة وشمول ، كانت جامعة كاملة كافلة لإسعاد الحياة في النشأتين .
6 - وكانت براهينه ساطعة ودلائله ناصعة ، واضحة ولائحة ، قامت على صدق
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 36
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٣٦