فحسب ، ليكون مقصورا على العهد الأوّل ، حيث العرب في ازدهار الفصاحة والأدب .
على أنّ الفصاحة والبلاغة لم تختصّ بلغة دون أخرى ولا بأُمّة دون غيرها .
لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل وإن كان الإعجاز باقيا مع الخلود زعما بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلًا على كونه معجزا أبدا . هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطئ ، قالت : مناط التحدّي هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث ، وأمّا حجة إعجازه فلا تخصّ عصرا دون عصر وتعمّ العرب والعجم ، وكان عجز البلغاء من العصر الأوّل وهم أصل الفصاحة برهانا فاصلًا في قضية التحدّي . . . « 1 »
قلت : ولعلّها في ذهابها هذا المذهب ، خشيت أن لو قلنا بأنّ التحدّي قائم ولا يزال ، أن سوف ينبري نائرة الكفر والإلحاد ، ممّن لا يقلّ عددهم في الناطقين بالضاد ، فيأتي بحديث مثله ، وبذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام !
لكنّها فلتطمئنّ أنّ هذا لن يقع ولن يكون ، لأنّ القرآن وُضع على أُسلوب لا يدانيه كلام بشر البتة ، ولن يتمكّن أحد أن يجاريه لا تعبيرا وأداءً ولا سبكا وأسلوبا ، ما دام الإعجاز قائما بمجموعة اللفظ والمعنى ، رفعة وشموخ في المحتوى ، وجمال وبهاء في اللفظ والتعبير ، فأيّ متكلّم أو ناطق يمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة ، لم تسبق لها سابقة في البشريّة وفي هكذا قالب جميل ! اللهمّ إلّا أن يفضح نفسه .
وفي التأريخ عِبَرٌ تؤثر عن أناس حاولوا معارضة القرآن ، لكنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم ، بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة ، بادٍ عواره ، باقٍ عاره وشناره ، فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة ، فلينظر في تلك العبر ، ومن لم يستحِ فليصنع ما شاء .
وتلك شهادات من أهل صناعة الأدب ، اعترفوا - عبر العصور - بأنّ القرآن فذّ في أسلوبه لا يمكن لأحد من الناس أن يقاربه فضلًا عن أن يماثله .
قال الدكتور عبداللّه درّاز : من كانت عنده شبهة ، زاعما أنّ في النّاس من يقدر على
هامش
( 1 ) - الإعجاز البياني ، ص 65 - 67 .