ذلك مهما حاولوه وأعدّوا له من حول وقوّة ، لأنّه كلام يفوق كلام البشر كافّة .
والآن وقد حان إعلان التحدّي بصورته العامّة ، متوجّها به إلى البشريّة جمعاء ، تحدّيا مستمرّا عبر الأجيال :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » .
« 1 »
* * * وهل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز ، أم كان يخصّ جانب فصاحته وبلاغته وبديع نظمه وعجيب أسلوبه فحسب ؟
ولعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب . فحيث كان التحدّي متوجّها إلى العرب خاصة ، ولا سيّما ذلك العهد ، الذي كانت مهنة العرب فيه خاصّة بجانب البيان وطلاقة اللسان . فلا جرم كان التحدّي حينذاك أيضا خاصّا بهذا الجانب في ظاهر الخطاب .
أمّا وبعد أن توجّه النداء العامّ إلى كافة البشريّة على الإطلاق ، فإنّه لابدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع . حيث اختلاف الاستعدادات والقابليّات . والقرآن معجزة الإسلام ، لجميع الأدوار وعامّة الأجيال ، ولمختلف طبقات الناس ، في الفنون والمعارف ، والعلوم والثقافات .
التحدّي في شموله
وهذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأُمم وكلّ أدوار التأريخ ، سواء العرب وغيرهم ، وسواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخّرة حتّى الأبد . اللفظ عامّ والخطاب شامل « 2 » ولأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب ، وإنّما هو بمجموعته من كيفيّة الأداء والبيان والمحتوى جميعا . كما أنّه لم يخصّ جانب فصاحته
هامش
( 1 ) - الإسراء 88 : 17 .
( 2 ) - وبتعبير اصطلاحي أصولي : أنّ هذا الخطاب يضمّ إلى جانب عمومه الأفرادي إطلاقا أحواليا وإطلاقا زمانيا معا ، إذن فللخطاب شمول من النواحي الثلاث : الأفراد الموجودين والأقوام الذين يأتون من بعد . وأيّا كانت حالتهم وعلى أيّ صفةٍ كانوا . . .