اللّه أعلم ما تركت قتالهم * حتى حبوا مُهري بأشقر مُزبِد « 1 »
وعرفت أنّي إن أقاتل واحدا * اقتل ولايَنكي عدوّي مشهدي « 2 »
فصددت عنهم والأحبّة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد « 3 »
قال الأصمعي : لم أسمع اعتذارا في الفرار أحسن من هذا ! « 4 »
وهكذا لمّا بلغه شعر أبيسفيان في واقعة أحد :
ولو شئت نجَّتني كُمَيْتٌ طِمِرَّةٌ * ولم أحمل النعماء لابن شعوب « 5 »
وما زال مهري مزجر الكلب منهم * لدن غدوة حتى دنت لغروب « 6 »
فظنّه تعريضا بفراره يوم بدر ، فقال مجيبا :
جزيتهم يوما ببدر كمثله * على سابح ذي ميعة وشبيب « 7 »
لدى صحن بدرٍ أو أقمت نوائحا * عليك ولم تحفل مصاب حبيب
وإنَّك لوعاينت ما كان منهم * لأبت بقلب ما بقيت نخيب « 8 »
وكان الحارث بن هشام من أعيان قريش ، وله في كلّ واقعة يد . وكانت قريحته الشعريّة تعمل في خدمة الكفر ومعارضة الإسلام . وله قصائد كثيرة في وقائع دامية كانت بين المشركين وجيوش الإسلام .
منها قصيدته في يوم بدر ، مطلعها :
هامش
( 1 ) - حبوا : أعطوا . والمهر : ولد الفرس . والأشقر : كناية عن الدم . والمُزبد : الذي علاه الزبد .
( 2 ) - أي لم يؤلم قتلي عدوّا لي .
( 3 ) - سيرة ابن هشام ، ج 3 ، ص 19 .
( 4 ) - أسد الغابة ، ج 1 ، ص 351 .
( 5 ) - الكميت من الخيل : ما كان لونه بين الأسود والأحمر . والطمرّة - بكسرتين وتشديد الراء المفتوحة - : الفرس السريعة الوثب .
( 6 ) - سيرة ابن هشام ، ج 3 ، ص 80 . ومزجر الكلب : كناية عن القرب .
( 7 ) - الميعة : الخفة والنشاط .
( 8 ) - المصدر ، ص 82 . وأبت : رجعت . والنخيب : الجبان .