فلمّا خرجوا من عنده صلى الله عليه وآله راجعين إلى بلادهم ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، بعث اللّه على عامر الطاعون في عنقه ، فهلك في بيت امرأة من بني سلول . فجعل يقول : أغدّة كغدّة الإبل ، وموتا في بيت سلولية ؟ !
وأمّا أربد ، فلمّا قدم على قومه ، قالوا : ما وراءك ياأربد ؟ قال : لا شئ ، لقد دعانا إلى عبادة لوددت أنّه عندي الآن فأرميه بالنبل . فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه ، فأرسل اللّه تعالى عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما .
وكان أربد بن قيس هذا أخا للبيدبن ربيعة لأُمّه .
ولمّا بلغ لبيدا ما أصاب أربد من عذاب اللّه وسخطه ، رثاه وبكى عليه في قصائد مطنطنة ، وأبيات شعر كثير ، يكبر من قدره ويعظّم من شأنه ، ممّا يكشف عن خصومته للإسلام الذي أذلّ أعزّة الجاهلية من أهل الشرك والإلحاد . « 1 »
هذا لبيد ، مع شدّة خصومته مع الإسلام وطول معارضته مع المسلمين في أكثر من عشرين عاما ، ومع قدرته الفائقة في نظم الشعر والقريض والإيفاء بكلام فصيح ، أنّه لم يستطع بل لم يفكّر يوما في معارضة القرآن بالبيان .
وأما إسلامه فكان على أثر جدب أصاب مضر ، بدعوة النبي صلى الله عليه وآله عليهم . فوفد عليه وفد قيس ، وفيهم لبيد ، فأنشده :
أتيناك يا خير البريّة كلّها * لترحمنا ممّا لقينا من الأزل « 2 »
أتيناك والعذارء تدمي لبانها * وقد ذهلت أُم الصبي عن الطفل « 3 »
فإن تدع بالسقيا وبالعفو ترسل السماء * لنا ، والأمر يبقى على الأصل « 4 »
هامش
( 1 ) - راجع : سيرة ابنهشام ، ج 4 ، ص 213 - 219 .
( 2 ) - الأزل - بفتحتين - : القدم ومالا نهاية له . كناية عن التقدير فيما كان تعتقده العرب في مسألة القدر .
( 3 ) - اللبان - بفتح الأوّل - : الصدر أو خصوص ما بين الثديين .
( 4 ) - يبقى على الأصل ، أي يرجع إلى أصلها قبل الجدب .