وهو الذي عارضه عثمانبن مظعون وهو ينشد في مجلس من قريش ، وذلك بعد أن تخلّى عثمان من جوار الوليد بن المغيرة كراهة أن يُذِمَّه مشرك . فصادف في منصرفه لبيدا ينشد هذا الشعر : « ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل » . فقال عثمان : صدقت . ثمّ قال : « وكلّ نعيم لا محالة زائل » . فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول .
قال لبيد : يا معشر قريش ، واللّه ما كان يؤذي جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم : إنّ هذا سفيه في سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا ، فلا تجدنّ في نفسك من قوله ! فردّ عليه عثمان حتى شرى أمرهما « 1 » فقام إليه الرجل فلطم عينه فخضّرها . « 2 »
ولمّا كانت سنة التسع وهي سنة الوفود ، وقد افتتح رسول اللّه صلى الله عليه وآله مكة ، وفرغ من تبوك ، وأسلمت ثقيف وبايعت ، أتته وفود العرب مستسلمة من كلّ وجه ، لأنّ العرب كانت تربّص بالإسلام أمر قريش ، فلمّا دانت له قريش ودوّخها الإسلام وعرفت العرب أن لا طاقة لهم بحرب رسولاللّه صلى الله عليه وآله ولاالبقاء على عداوته ، هرعوا يدخلون في دين اللّه أفواجا ، يضربون إليه من كلّ صوب ومكان .
ومن جملة الوفود وفد بني عامر ، وفيهم عامر بن الطفيل ، وأربدبن قيس ، وجبّاربن سلمى . وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم .
فقدم عامر ، عدوّ اللّه ، يريد الغدر برسولاللّه صلى الله عليه وآله وقد قال له قومه : يا عامر ، أسلم فإنّ الناس قد أسلموا . قال : لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي ، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش .
فتواطأ عامر مع أربد في قتله صلى الله عليه وآله غيلة ، لكنّه لم يوفّق ، فقد أصّر على رسولاللّه صلى الله عليه وآله أن يخلو به ليغدر به ، لكنّه صلى الله عليه وآله أبى إلّا أن يؤمن باللّه أوّلا . فأبى عامر وهدّد رسولاللّه صلى الله عليه وآله قائلا : لأملأنّ المدينة عليك خيلًا ورجالًا ، وولّى لوجهه .
هامش
( 1 ) - أي اشتد وعظم الجدال .
( 2 ) - أي جعل عينه خضراء من شدّة اللطمة .