منهم على من سواهم . وقد تبيّن الحقّ من ذلك ، بمقايسة العدل عند ذوي الألباب » . « 1 » أي الفئات المحايدة للحقّ ، ليسوا على طمأنينة من أمرهم ، بل في ريبهم يتردّدون . فهناك زارئ - أي عاتب - منهم عليهم ، حيث وميض النور لا يبقى منطفئا أبدا .
ومن ثَمَّ لا ترى الدعوة في سبيل رسالتها مشكلةً مع العلماء وأصحاب العقول النبهاء ، إنّما مشكلتها مع الجهلة السفهاء
« وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ، وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » .
« 2 » «
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ » .
« 3 »
ولم يشهد التاريخ أنّ نبهاء الأُمم طالبوا أنبياءهم البرهان على صحّة دعواهم ، كسلمان وأبيذرّ والمقداد . نعم كانت السفلة الأدناس هم الّذين عارضوا رسلهم وطلبوا منهم البيّنات ، وبعدُ لم ينتهوا عن سفههم على كلّ حال .
« وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ »
« 4 »
« وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » .
« 5 »
« لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » .
« 6 » أي كان جحودهم وارتيابهم في الحقّ ناشئا عن كراهيّته لا عن نكرانه واقعا . « 7 »
نعم كانت مطالبة المعجزة أو إبداؤها ، بعد مواجهة النكران أو إبداء الارتياب من قبل الملأ والسادة من أهل الترف ، لا العامّة وأصحاب العقول الراجحة .
فكما أنّ السيف لعب دور الدفاع عن كيان الإسلام في منابذة هجمات العدوّ عسكريّا ، كذلك الآية المعجزة دافعت عن حريم الإسلام ونابذت هجمات العدوّ فكريّا .
وهذا هو القرآن يتحدّى بإعجازه أُولئك المرتابين
« وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » .
« 8 » وهكذا سائر آيات التحدّي موجّهة إلى الذين ارتابوا أو
هامش
( 1 ) - المصدر ، برقم 1000 / 402 .
( 2 ) - سبأ 6 : 34 .
( 3 ) - الحج 54 : 22 .
( 4 ) - طه 133 : 20 .
( 5 ) - النمل 14 : 27 .
( 6 ) - الزخرف 78 : 43 .
( 7 ) - راجع في ذلك محاورة دارت بين موسى وفرعون ذكرها القرآن في ظرافة بيان . الشعراء 16 : 26 فما بعد والأعراف 7 :
103 - 110 .
( 8 ) - البقرة 23 : 2 .