تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
يخرجن من شربات ماؤُها طحلٌ * على الجذوع يَخَفْنَ الغمر والغرقا « 1 »
إذ لا تخاف الضفدعة من الغرق مهما كان غمر الماء ! فقد غلط في هذا التوصيف . . . واعتذر عنه بأنّه لم يرد خوف الغرق على الحقيقة ، ولكنّها عادة من هرب من الحيوان من الماء ، فكأنّه مبالغة في التشبيه ، كما قال تعالى :
« وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ » .
« 2 » وقال :
« وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ » .
« 3 » والقول فيهما محمول على « كاد » . هكذا ذكر الحُذّاق من المفسّرين . مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لاتقربها دابّة ، خوفا على نفسها من الهلكة ، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات . . . « 4 » قلت : فعلى هذا كان كلامه وصفا للماء لاللضفادع ، وعلى أيّ حال فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة وهابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربيّة حينذاك ، وأين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن ومقاصده العليّة في أوصافه وتشبيهاته وتمثيلاته . وهل تناسبٌ بين قول زهير في هذا البيت ، والآيتين الكريمتين ؟ ! ! وإنّما يتفاخم الكلام ويتصاغر ، بضخم موضوعه وصغره ، وعلوّ مقصوده وسفله . الأمر الذي نجده فرقا بيّنا بين مقصود الآيتين ومقصود زهير في البيت ، بل بين القرآن كلّه وأشعار العرب الجاهلي كلّها ! قال الأصمعي : وأخطأ زهير في قوله - في ذمّ الحرب والقتال - :
فتنتج لكم غلمان أشأم كلُّهم * كأحمر عاد ، ثمّ ترضع فتفطم « 5 »
حيث شبّه الغلمان المشائيم بعاقر ناقة صالح ، الموصوف بالأحمر ، واسمه قدار . لكن
هامش
( 1 ) - شربات : موضع قرب مكة . طحل الماء : فسد . والجذع : ساق النخلة . الغمر : الماء الكثير ، وغمره الماء غمرا : علاه وغطّاه . ( 2 ) - إبراهيم 46 : 14 . ( 3 ) - الأحزاب 10 : 33 . ( 4 ) - العمدة ، ج 2 ، ص 251 . ( 5 ) - أشام : مبالغة المشؤوم . وأراد بأحمر عاد : أحمر ثمود ، وهو عاقر الناقة ، واسمه قداربن سالف يقول : فتولد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كلّ واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة . . .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 312 | الشيخ محمد هادي معرفة