كأنّ شقائق النعمان فيه * ثياب قد روين من الدماء
فهذا وإن كان تشبيها مصيبا ، فإنّ فيه بشاعة ذكر الدماء ، ولو قال من العصفر « 1 » مثلًا أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الانس .
وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع « 2 » وماجرى هذا المجرى من التشبيه فإنّه وإن كان مصيبا لعين الشبه فإنّه غير طيّب في النفس ، ولامستقرّ على القلب ، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب :
تلاعبها كفّ المزاج محبّة * لها ، وليجري ذات بينهما الأُنس
فتزبد من تيه عليها كأنّها * غريرة خِدر قد تخبّطها المسّ « 3 »
فلو أنّ في هذا كلّ بديع لكان مقيتا بشعا ، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئا يشبَّه بزبد المصروع وقد تخبّطه الشيطان من المسّ . . .
قال : وكأنّي أرى بعض من لا يحسن إلّا الاعتراض بلاحجّة ، قد نعى عليّ هذا المذهب ، وقال : ردّ على امرئ القيس ، ولم أفعل ، ولكنّي بيّنت أنّ طريق العرب القدماء في كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله . . .
وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة :
نظرت إليك بحاجة لم تقضها * نظر السقيم إلى وجوه العوّد « 4 »
على أنّه تشبيه لا يلحق ، ولايشقّ غبار صاحبه . ولم يجد فيه المطعن إلّا بذكر السقيم ، فإنّه رغب عن تشبيه المحبوبة به ، وفضّل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي :
وكأنّها وسط النساء أعارها * عينيه أحورُ من جآذر جاسم « 5 »
هامش
( 1 ) - العصفر - كقنفذ - صبغ أصفر اللون .
( 2 ) - الشجاع - مثلّث الشين - : ضرب من الحيّات . وسلخها : كشط جلدها .
( 3 ) - الغرير والغريرة : الشابّ والشابة في مطلع شبابهما لاتجربة لهما في الحياة .
( 4 ) - العود : جمع العائدة التي تعود المريض المترقّب لها .
( 5 ) - الجآذر : جمع الجوذر ، ولد البقرة الوحشيّة .