تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
لكن وردت هذه اللفظة في قول أبي همام حسنة : * « عتابك عنّي - لا أبا لك - واقصدي » .
فإنّه لمّا كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذمّ . الضرب الثالث : الاعتراض المفسد وهو المذموم المخلّ بفهم المقصود فيعقّده تعقيدا ، وأمثلة ذلك في باب تقديم ما حقّه التأخير وتأخير ماحقّه التقديم كثيرة ، وقد أولع بها الشعراء المتكلّفون ، فمن ذلك قول بعضهم :
فقد - والشك - بيّن لي - عناء * بوشك فراقهم ، صرد يصيح « 1 »
قال ابن الأثير : فإنّ هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك ، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو « بيّن لي » وذلك قبيح لقوّة اتّصال « قد » بالفعل المدخول عليه ، بحيث يعدّ جزءً متّصلا به . وأيضا فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله « بيّن لي » . وفصل بين الفعل الذي هو « بيّن » وبين فاعله الذي هو « صرد » بخبر المبتدأ الذي هو عناء ، فجاء معنى البيت كما تراه مشوّها ومشوّشا ، كأنّه صورة مشوّهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض . « 2 » وجعل أيضا يمثّل بأبيات شعريّة من العرب القديم ، لعلّنا نأتي عليها وعلى أمثالها في سائر أبواب البلاغة والبديع في قسم الدلائل على إعجاز القرآن ، وهو القسم الثاني من الكتاب إن شاء اللّه تعالى . ولعلّني في هذا العرض العريض قد أسهبت وخرجت عن حدّ الاعتدال المتناسب مع وضع الكتاب . . . غير أن تحمّسات قوميّة ، وأخرى سفاسف كلاميّة ، ربّما كانت تحاول رفع منزلة كلام العرب الأوائل بما يضاهي سبك القرآن ونظمه البديع . . . فكان هذا وذاك من
هامش
( 1 ) - أصل تركيب الكلام : فقد بيّن لي صردٌ يصيح بوشك فراقهم ، والشك عناء . ( 2 ) - المثل السائر لابن الأثير ، ج 3 ، ص 40 - 48 ، وج 2 ، ص 227 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 315 | الشيخ محمد هادي معرفة