الإعجاز ضرورة دفاعيّة
الإعجاز ضرورة ، ولكنّها دفاعيّة وليست ضرورة دعائيّة !
أمّا أنّ المعجزة ضرورة ، فلأنّ الدعوة لمّا كانت مستندة إلى الغيب ، وهو وحي السماء ، فلابدّ أن يدعمها آية تجانسها ، تنفي كلّ احتمال خلاف ، وتدحض شُبَه المعارضين !
وأمّا أنّها ضرورة دفاعيّة وليست دعائيّة ، فلأنّ رسالة الأنبياء جميعا ، على وضح من الحقّ الصريح ، لا غُبار عليها ولا كانت حاجة إلى إقامة برهان .
« لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ » .
« 1 » « لَقَدْ
جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ » .
« 2 »
كانت دعوة الأنبياء تهدف إلى إيقاظ الفطرة وإثارة دفائن العقول ، « 3 » دعوة إلى ما يتجاوب مع الفطرة السليمة وتتجاذبه العقول الرشيدة ! فلا حاجة إلى إقامة برهانٍ على وضح النور المبين .
« فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ » .
« 4 » أي فلتكن على ثقة من أمرك ، فإنّ لديك الحقّ ساطعا كالشمس اللائحة ، تسطو بأنوارها على الآفاق !
والحقّ لا يلتبس بالباطل أبدا ! تلك سنّة اللّه جرت في الخلق ، كما قال الإمام الصادق عليه السلام قال : « ولو لم يُجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل » . « 5 » أي : الحقّ بذاته واضح ، والباطل بنفسه فاضح . وهو أمر فطريٌّ مجبول عليه الناس في فطرتهم الأُولى . . .
ولو لم يكن تمييز الحقّ عن الباطل فطريّا - في بداهة العقول - لم يكن هناك معيار آخر لهذا التمييز ، إذ أيّ معيار يجعل مقياسا لتمييز الحقّ غير الحقّ نفسه ؟ !
قال الصادق عليه السلام : « كلّ قوم يعملون على ريبةٍ من أمرهم ، ومشكلةٍ من رأيهم ، وزارئ
هامش
( 1 ) - الرعد 14 : 13 .
( 2 ) - الأعراف 43 : 7 .
( 3 ) - راجع : نهج البلاغة ، الخطبة 1 .
( 4 ) - النمل 79 : 27 .
( 5 ) - روى البرقي بإسناده إلى ابن أبييعفور عن أبيعبداللّه عليه السلام قال : « أبى اللّه أن يعرّف باطلًا حقّا ، أبى اللّه أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلًا لا شكّ فيه ، وأبى اللّه أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقّا لا شكّ فيه . ولو لم يجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل » . وفي حديث آخر : « ليس من باطل يقوم بإزاء الحقّ إلّا غلب الحقُّ الباطل . وذلك قوله تعالى : «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ» . الأنبياء 18 : 21 . راجع : كتاب المحاسن - مصابيح الظلم ، ج 1 ، ص 432 ، برقم 998 و 999 .