وبين المكانين بُعد أيّام ، وإنّما يرجع القُفّال من الغزو والغارات وجه الصباح ، فإذا رأوها من مسافة أيّام وجه الصباح وقد خمد سناها وكلّ موقدها فكيف كانت أوّل الليل ؟ ! ! وشبّه النجوم بمصابيح الرهبان ، لأنّها في السحر يضعف نورها كما يضعف نورالمصابيح الموقدة ليلها أجمع ، لاسيّما مصابيح الرهبان ، لأنّهم يكلّون من سهر الليل فربّما نعسوا ذلك الوقت . « 1 »
ومن أبيات الغلو قول مهلهل :
فلولا الريح أَسْمِع من بحجر * صليل البيض تقرع بالذكور
وقد قيل : إنّه أكذب بيت قالته العرب ، وبين حجر - وهي قصبة اليمامة - وَبين مكان الوقعة عشرة أيّام ، وهذا أشدّ غلوّا من قول امرئ القيس في النار . لأنّ حاسّة البصر أقوى من حاسّة السمع وأشدّ إدراكا . . .
ومنها قول النابغة في صفة السيوف :
تَقُدُّ السلوقيَّ المضاعف نسجُه * ويوقدن بالصُفّاح نار الحباحب « 2 »
وقد عيب على امرئ القيس - في شعره الآنف - مضافا إلى غلوّه في المبالغة ، تعبيره عن أسنان حبيبته بالأنياب ، لأنّها أوّلًا اسم للسنّ خلف الرباعيّة ، وليست مطلق الأسنان .
وثانيا أكثر استعمال الأنياب في الحيوانات الضارية المهولة ، كما شبّه هوالسهام المسنونة بأنياب الأغوال في قوله :
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال
واستعار بعضهم الأنياب للشّرّ ، أنشد ثعلب :
أفرُّ حِذار الشّرّ ، والشرّ تاركي * وأطعنُ في أنيابه ، وهو كالح « 3 »
وهكذا قُبّح تشبيه امرئ القيس بَنان حبيبته بالديدان الحمر الدقاق تعيش في
هامش
( 1 ) - العمدة ، ج 2 ، ص 53 - 56 .
( 2 ) - المصدر ، ص 62 .
( 3 ) - كلح وجهه : عبس وتكشّر .